سباق الخليج الجديد لجذب الاستثمار: السعودية أم الإمارات أم عُمان؟

لم يعد الخليج يدور حول النفط وحده.
دخلت السعودية والإمارات وعُمان منافسة جديدة: سباقاً لجذب الاستثمار الأجنبي والشركات الدولية والتكنولوجيا والتجارة، ولترسيخ مكانتها بين أهم المراكز الاقتصادية في المنطقة.
تتقدم السعودية مستفيدة من حجم سوقها المحلي ومشروعاتها الضخمة. وتنافس الإمارات انطلاقاً من موقع راسخ كمركز عالمي للأعمال والمال، بينما تسعى عُمان إلى جذب حصة أكبر من رأس المال الإقليمي والدولي عبر موقعها الجغرافي وموانئها وبنيتها اللوجستية والفرص الاستثمارية الناشئة فيها.
لكن في قلب هذه المنافسة سؤال مهم:
أي دولة سيختارها المستثمرون في النهاية لبناء مستقبل أعمالهم؟
الإجابة لا تتعلق بالنفط والمال فقط. بل بمدى قدرة كل دولة على بناء اقتصاد المستقبل بفاعلية.
لماذا تتنافس دول الخليج على جذب الاستثمار؟
لا يزال النفط ركناً رئيسياً في اقتصاد الخليج، لكنه لم يعد كافياً وحده لضمان مستقبل المنطقة.
تدرك دول الخليج أن الاقتصاد العالمي يتجه بصورة متزايدة نحو التكنولوجيا والطاقة الجديدة والتجارة والخدمات المالية والاقتصاد الرقمي. لذلك أصبح جذب الاستثمار الأجنبي هدفاً محورياً في استراتيجياتها الاقتصادية.
تعمل السعودية من خلال رؤية 2030، والإمارات عبر تعزيز موقعها كمركز عالمي، وعُمان من خلال رؤية عُمان 2040، على تقليل الاعتماد على النفط وجذب حصة أكبر من رأس المال الدولي.
لكن هناك فرقاً مهماً:
هذه الدول لا تبحث فقط عن أموال المستثمرين. بل تريد أيضاً الشركات والتكنولوجيا والخبرات والأعمال التي تأتي مع رأس المال هذا.
وهذا ما يجعل المنافسة بين الاقتصادات الخليجية الثلاثة أكثر جدية؛ إذ يدخل كل منها السباق بميزة مختلفة.
السعودية: عندما يتحول حجم السوق إلى ميزة
في المنافسة على جذب الاستثمار، تمتلك السعودية ميزة يصعب تجاهلها: الحجم.
فسوقها المحلية الكبيرة، وبرامجها الاستثمارية الواسعة، ومشروعاتها الاقتصادية الطموحة تمنحها القدرة على التحول من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط إلى أحد أهم مراكز الأعمال في المنطقة.
وهذا التحول ليس نظرياً فقط. فقد ذكر التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025 أن التدفقات الأولية للاستثمار الأجنبي المباشر بلغت نحو 35.5 مليار دولار في 2025، أي ما يعادل قرابة 133 مليار ريال سعودي. كما سجل التقرير وجود 700 مقر إقليمي في المملكة خلال العام نفسه.
كذلك فُتحت سوق رأس المال السعودية بصورة أوسع أمام المستثمرين الأجانب في 1 فبراير 2026، عندما ألغت هيئة السوق المالية إطار المستثمر الأجنبي المؤهل، وأتاحت لجميع فئات المستثمرين الأجانب الاستثمار مباشرة في السوق الرئيسية.
لكن السعودية لا تحاول جذب المال فقط؛ بل تسعى أيضاً إلى جذب الشركات.
وهنا تحديداً تصبح المنافسة مع الإمارات أكثر حدة.
الإمارات: مركز اقتصادي قائم بالفعل
إذا كانت السعودية تدخل المنافسة بحجم سوقها واستثماراتها الضخمة، فإن للإمارات ميزة مختلفة: سنوات من الخبرة في جذب الاستثمار والتجارة الدوليين.
أمضت دبي وأبوظبي سنوات في بناء منظومة تجذب الشركات الأجنبية ليس فقط للاستثمار، بل أيضاً لتأسيس المكاتب وإدارة التجارة وتشغيل الأعمال الإقليمية.
في عام 2025، جذبت الإمارات نحو 48.3 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر واحتلت المرتبة التاسعة عالمياً بين وجهات الاستثمار الأجنبي المباشر، وفق الأرقام التي نقلها المكتب الإعلامي لحكومة الإمارات عن تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن الأونكتاد.
وتشكل المناطق الحرة والخدمات المالية والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق العالمية أجزاء من المنظومة الاقتصادية الإماراتية. وتذكر حكومة الإمارات أن الدولة تضم 40 منطقة حرة تدعم أنشطة تشمل التكنولوجيا المالية والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والإعلام.
ولهذا، بالنسبة إلى كثير من الشركات، لا تمثل الإمارات سوقاً فقط؛ بل بوابة إلى المنطقة الأوسع.
لكن هنا بالضبط تظهر فرصة لمنافس آخر:
إذا كانت الإمارات الخيار الأول لكثير من المستثمرين، فكيف تستطيع عُمان إقناعهم بوجود خيار آخر يستحق النظر؟
عُمان: منافس من نوع مختلف في سباق الاستثمار
قد لا تستطيع عُمان منافسة حجم السوق السعودية أو المنظومة المالية الإماراتية، لكن ذلك لا يعني أنها تفتقر إلى المزايا.
في الواقع، تكمن قوة عُمان في مجال يميزها عن منافسيها الأكبر: الجغرافيا والإمكانات اللوجستية.
تتمتع الموانئ التجارية الرئيسية في عُمان بوصول مباشر إلى خليج عُمان وبحر العرب، وتتصل بمسارات التجارة في المحيط الهندي من دون الاعتماد على المرور عبر مضيق هرمز. ولذلك تتمتع صحار وصلالة والدقم بإمكانات مهمة في التجارة والنقل وسلاسل الإمداد الإقليمية والدولية. وتبرز منصة الاستثمار الرسمية في السلطنة هذا الربط العالمي والبنية التحتية للموانئ باعتبارهما من المزايا الاستثمارية الأساسية لعُمان.
وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة للمستثمرين الذين يسعون إلى توسيع عملياتهم التجارية والصناعية.
بدلاً من منافسة دبي مباشرة لتصبح مركزاً للخدمات المالية، تستطيع عُمان التركيز على القطاعات التي يمنحها فيها موقعها الجغرافي قيمة أكبر؛ من الخدمات اللوجستية والتصنيع إلى الطاقة والتعدين والتجارة البحرية.
كما تتوافق هذه المقاربة مع أهداف رؤية عُمان 2040، التي تركز على تقليل الاعتماد على النفط وتنمية قطاعات مثل الخدمات اللوجستية والسياحة والتعدين والتصنيع والطاقة المتجددة والاقتصاد الرقمي.
وسعت عُمان أيضاً إلى جعل بيئتها الاستثمارية أكثر جاذبية عبر تسهيل وصول المستثمرين الأجانب. فالملكية الأجنبية متاحة في كثير من الأنشطة، بالتوازي مع تطوير المناطق الاقتصادية والحرة وزيادة رقمنة الخدمات الحكومية. وتصف وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار هذه الإصلاحات بأنها جزء من جهد أوسع لتحسين وصول المستثمرين وبيئة الأعمال.
لذلك يمكن النظر إلى استراتيجية عُمان باعتبارها مختلفة عن استراتيجيتي السعودية والإمارات.
فالسعودية تسعى إلى جذب رأس المال عبر حجم السوق، والإمارات عبر الربط العالمي، وعُمان عبر الموقع والخدمات اللوجستية والفرص الناشئة.
وهذا يعني أن عُمان لا تحتاج بالضرورة إلى احتلال المركز الأول في المنافسة الإجمالية.
بل تحتاج إلى أن تصبح الخيار الأكثر ملاءمة لنوع محدد من المستثمرين.
لماذا قد تكون عُمان أكثر جاذبية لبعض المستثمرين؟
لا تقتصر ميزة عُمان على موقع استراتيجي على الخريطة. السؤال الأهم هو مدى قدرتها على تحويل هذا الموقع إلى فرصة اقتصادية.
تحدد استثمر في عُمان الخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم والسياحة والتعدين والاقتصاد الرقمي ضمن القطاعات الاستراتيجية الحالية للسلطنة.
وبحسب استثمر في عُمان، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 78.78 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من عام 2025.
وفي الوقت نفسه، يمكن لتطوير المناطق الاقتصادية والصناعية في صحار والدقم وصلالة أن يمنح الشركات خيارات إضافية للتصنيع والتصدير أو إنشاء سلاسل إمداد إقليمية.
كما تعمل عُمان على تطوير فرص جديدة في المراكز اللوجستية والتخزين والتجارة الإلكترونية، بما في ذلك مشاريع مدرجة على منصة استثمر في عُمان للفرص الاستثمارية.
وهذا يعني أن عُمان لا تسعى فقط إلى جذب رأس مال يبحث عن سوق متطورة بالفعل.
بل تبحث عن مستثمرين يمكنهم المشاركة في تطوير اقتصادها.
وهنا يظهر فرق مهم.
في سوق مثل الإمارات، يدخل المستثمر إلى منظومة متقدمة وشديدة التنافس. أما السعودية فتوفر فرصاً هائلة بفضل حجمها وكثرة مشروعاتها، لكن المنافسة يمكن أن تكون قوية أيضاً.
في المقابل، قد تقدم عُمان نوعاً مختلفاً من الجاذبية للمستثمرين الباحثين عن فرص طويلة الأجل في قطاعات ناشئة ومتوسعة.
لذلك لم يعد السؤال ببساطة:
أي دولة «أفضل»؟
بل السؤال الأهم هو:
أي دولة تقدم أكبر ميزة لنوع معين من الاستثمار؟
السعودية أم الإمارات أم عُمان: ماذا سيختار المستثمرون؟
لا تكون مقارنة الدول الثلاث بمعيار واحد مفيدة كثيراً، لأن كلاً منها بنى مزايا تستهدف نوعاً مختلفاً من الاستثمار.
تبدو السعودية أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن سوق كبيرة ومشروعات ضخمة وفرص نمو على نطاق واسع. وتواصل المملكة تطوير قطاعات مثل التكنولوجيا والخدمات اللوجستية والسياحة والطاقة والصناعات المتقدمة، بالتوازي مع سعيها إلى زيادة حضور الشركات الدولية داخل اقتصادها.
وتقدم الإمارات ميزة مختلفة للشركات الباحثة عن مركز إقليمي. فقد جعلتها بنيتها التجارية والمالية ومناطقها الحرة وروابطها الواسعة بالأسواق العالمية واحدة من أبرز بوابات الاستثمار الدولي في الخليج.
أما عُمان فقد تكون خياراً أكثر جاذبية للاستثمارات المرتبطة بالخدمات اللوجستية والتصنيع والتجارة البحرية والطاقة والتعدين ومشروعات التنمية الناشئة. كما يشكل توسع المناطق الاقتصادية والصناعية في صحار والدقم وصلالة جزءاً من هذه الاستراتيجية.
لذلك لا توجد إجابة ثابتة واحدة عن سؤال «ما أفضل دولة للاستثمار في الخليج؟».
فالمستثمر الذي يبحث عن حجم السوق قد يختار السعودية، ومن يمنح أولوية أكبر للربط العالمي قد يفضل الإمارات، بينما قد ينظر المستثمر الباحث عن فرص جديدة في اقتصاد آخذ في التطور إلى عُمان بصورة أعمق.
وفي الواقع، لا تدور المنافسة بين الدول الثلاث حول الفوز بلقب واحد بقدر ما تدور حول جذب شرائح مختلفة من رأس المال العالمي.
مستقبل المنافسة الاستثمارية في الخليج
المنافسة بين السعودية والإمارات وعُمان على جذب الاستثمار بعيدة عن نهايتها.
بل قد تظهر المرحلة الأهم منها خلال السنوات المقبلة، عندما ينظر المستثمرون إلى ما يتجاوز حجم المشروعات الفردية، ويمنحون وزناً أكبر لعوامل مثل مرونة سلاسل الإمداد، والوصول إلى الأسواق العالمية، والتكنولوجيا، وجودة بيئة الأعمال.
تسعى السعودية إلى بناء اقتصاد على نطاق بالغ الكبر. وتريد الإمارات الحفاظ على موقعها كمركز مالي وتجاري للمنطقة، بينما تعمل عُمان على تعزيز دورها كقاعدة لوجستية وصناعية.
ولعُمان ميزة لافتة في هذه المنافسة: أجزاء من اقتصادها لا تزال في طور التطور.
وبحسب صندوق النقد الدولي، تمثل الأنشطة غير الهيدروكربونية قرابة 70% من الناتج المحلي الإجمالي لعُمان، مع استمرار الحاجة إلى مزيد من التقدم في تنويع الصادرات وتوسيع الصناعات الأعلى قيمة مضافة.
وقد تمثل هذه المرحلة فرصة لبعض المستثمرين.
فرأس المال الذي يدخل قطاعاً متطوراً اليوم قد يتمكن من بناء موقع قوي قبل وصول السوق إلى مرحلة التشبع. ولهذا قد تستطيع عُمان تجنب المنافسة المباشرة مع الإمارات والسعودية والتركيز بدلاً من ذلك على الاستثمار طويل الأجل والقطاعات مرتفعة النمو.
وفي الوقت نفسه، تشير خطط عُمان لتوسيع البنية التحتية والمناطق الاقتصادية والخدمات اللوجستية والأسواق المالية إلى أنها لا تنوي البقاء على هامش المنافسة.
لذلك من غير المرجح أن ينتج السباق المستقبلي فائزاً واحداً؛ بل ستسعى كل دولة إلى جذب حصة مختلفة من رأس المال العالمي.
سباق الاستثمار الخليجي الجديد: من سيفوز؟
النظر إلى مسارات الدول الثلاث يكشف أمراً واحداً بوضوح:
لم تعد المنافسة على جذب الاستثمار في الخليج لعبة أحادية البعد.
يمنح حجم السوق السعودية وقدرتها الاستثمارية المملكة إمكانية جذب المشروعات الكبرى والشركات الدولية. وتواصل الإمارات الاستفادة من منظومتها المالية والتجارية الراسخة والحفاظ على موقعها كأحد أهم مراكز المنطقة.
أما عُمان فلا تحتاج إلى هزيمة هاتين الدولتين على أرضهما كي تنجح.
إذا استطاعت السلطنة الاستفادة بفاعلية من موقعها البحري وموانئها ومناطقها الاقتصادية وقدراتها المتنامية في الخدمات اللوجستية والتصنيع والطاقة والتعدين والسياحة، فقد تجذب حصة من رأس المال الباحث عن أسواق جديدة وفرص طويلة الأجل.
ويتوافق هذا مع المسار الاستثماري الحديث لعُمان، إذ بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر نحو 78.78 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من 2025، وفق استثمر في عُمان.
لذلك ربما لا يكون السؤال الأنسب:
«السعودية أم الإمارات أم عُمان؛ من سيفوز؟»
بل:
«إلى أي مدى تستطيع كل دولة تحويل مزاياها الخاصة إلى فرص حقيقية للمستثمرين؟»
وفي النهاية، هذا هو العامل الذي سيشكل مستقبل المنافسة الاقتصادية في الخليج.

