سر ثروة جد دونالد ترامب خلال حمى الذهب
سافر آلاف الأشخاص إلى المناطق الباردة في كندا في أواخر القرن التاسع عشر بحثاً عن الذهب. وكانوا يأملون أن يغيّر العثور على بضع قطع ذهبية حياتهم إلى الأبد. لكن رجلاً ألمانياً من بين هؤلاء قرر أن يجني المال من الباحثين عن الذهب بدلاً من أن يبحث عنه بنفسه.
كان اسمه فريدريش ترامب، جد دونالد ترامب. ومن خلال افتتاح مطاعم وفنادق على الطرق التي يسلكها المنقبون عن الذهب، استطاع تكوين ثروة كبيرة في فترة قصيرة نسبياً. وأصبح رأس المال هذا لاحقاً إحدى الركائز المبكرة لثروة عائلة ترامب.
لكن قصة ثراء جد ترامب تتجاوز كونها حكاية تاريخية. فهي مثال لافت على اكتشاف الفرص الاقتصادية حين ينصب اهتمام الجميع على هدف واحد.
حمى الذهب في كلوندايك: فرصة جذبت الآلاف إلى كندا
بدأت قصة تكوين جد ترامب لثروته مع إحدى أكبر موجات التهافت على الذهب في تاريخ أمريكا الشمالية. ففي أواخر القرن التاسع عشر، جذب هذا الحدث آلاف الأشخاص من مختلف أنحاء العالم إلى منطقة يوكون في شمال غرب كندا.
في أغسطس 1896، اكتُشف الذهب في بونانزا كريك، قرب نهر كلوندايك، مما أثار موجة من الحماس. وعندما انتشرت أخبار الاكتشاف في عام 1897، اعتقد كثيرون أن السفر إلى المنطقة قد يتيح لهم تحقيق ثروة كبيرة. وهكذا أصبحت حمى الذهب في كلوندايك من أبرز الأحداث الاقتصادية وموجات الهجرة في تلك الحقبة.
لكن العثور على الذهب لم يكن بالسهولة التي تخيلها كثيرون. فقد اضطر المنقبون إلى اجتياز طرق جبلية صعبة ومواجهة برد شديد ونقص في المرافق الأساسية. وقضى بعضهم شهوراً في الطريق، يكافحون لنقل المعدات والطعام اللازمين للوصول إلى المناطق الغنية بالذهب.
وفقاً لهيئة متنزهات كندا، انطلق نحو 100,000 شخص إلى كلوندايك، لكن قرابة 30,000 فقط تمكنوا من الوصول إلى مدينة داوسون. وتخلى كثيرون غيرهم عن رحلاتهم قبل بلوغ وجهتهم بسبب صعوبة الطرق وقسوة الظروف.
في ظل هذه الظروف، ظهرت فرصة اقتصادية كبيرة. كان آلاف الأشخاص يبحثون عن الذهب، لكنهم جميعاً كانوا بحاجة إلى الطعام والإقامة والنقل وغيرها من الخدمات الأساسية. وارتفع الطلب على هذه الضروريات بدرجة أتاحت حتى لمن لا يهتمون بتعدين الذهب أن يجنوا المال من ازدهار المنطقة.
وفي هذه الأجواء المفعمة بالحماس والفرص، قرر فريدريش ترامب أن يسلك طريقاً مختلفاً؛ وهو قرار كان له لاحقاً دور مهم في بناء ثروة عائلة ترامب.
من هو فريدريش ترامب؟ من الهجرة إلى أمريكا إلى العمل التجاري
وُلد فريدريش ترامب عام 1869 في قرية كالشتات بألمانيا. ونشأ في أسرة محدودة الدخل، وعلى أمل بناء مستقبل أفضل، هاجر بمفرده إلى الولايات المتحدة عام 1885 وهو في سن 16.
عمل في البداية حلاقاً، لكنه اتجه سريعاً إلى التجارة. واكتسب فريدريش خبرة في قطاعي المطاعم والإيواء في سياتل ومنطقة مونت كريستو بولاية واشنطن.
وقد أثبتت هذه الخبرات قيمتها لاحقاً. فعندما دفعت حمى الذهب في كلوندايك آلاف الأشخاص نحو كندا، أدرك فريدريش أن المنقبين يحتاجون إلى الطعام والمأوى إلى جانب معدات التعدين.
رأى فرصة غفل عنها كثير من الباحثين عن الذهب، فرصة من شأنها أن تغيّر مسار مستقبله المالي.
سر ثروة جد ترامب: لماذا استهدف المنقبين بدلاً من التنقيب عن الذهب؟
أدرك فريدريش ترامب أن حمى الذهب تخلق فرصاً لكسب المال تتجاوز الباحثين عنه وحدهم. فآلاف الأشخاص المتجهين نحو كلوندايك كانوا بحاجة إلى الطعام وأماكن للراحة على طول الطريق، وهو طلب يمكن تحويله إلى نشاط تجاري مربح.
في عام 1898، افتتح مطعماً داخل خيمة مع شريكه التجاري إرنست ليفين على طريق المنقبين عن الذهب. وتوسع النشاط تدريجياً، ثم أسسا مطعماً وفندقاً باسم «مطعم وفندق أركتيك» في بينيت بكندا.
وما ميّز فريدريش عن كثيرين هو اختياره للعملاء. ففي حين كان المنقبون يبذلون جهداً كبيراً لبناء ثرواتهم، كان يجني المال من تزايد طلبهم على الخدمات الأساسية.
وأظهر قراره أن الفرص الاقتصادية لا توجد دائماً حيث يتركز الحماس والاهتمام الأكبر. فأحياناً تأتي الأرباح الحقيقية من تلبية احتياجات أشخاص مستعدين لإنفاق المال لتحقيق أهدافهم.
لكن مطعم أركتيك كان أكثر من مجرد مكان لتناول الطعام. فقد قدم خدمات تتجاوز ما قد يتوقعه المسافرون، وكان لذلك دور مهم في زيادة دخل فريدريش.
مطعم أركتيك: نشاط تجاوز الطعام والإقامة
سرعان ما أصبح مطعم وفندق أركتيك من أشهر المنشآت في منطقة بينيت. وقد بدأ العمل داخل خيمة، لكنه تحول مع نمو قاعدة عملائه إلى مبنى خشبي من طابقين.
لم يقتصر فريدريش ترامب وشريكه على بيع الطعام وتوفير الإقامة. فقد قدما خدمات أخرى، من بينها بيع المشروبات والغرف الخاصة. وأوجد هذا التنوع مصادر دخل إضافية لنشاطهما.
ومن اللافت أن عملاءهما كانوا أشخاصاً قطعوا طرقاً طويلة وشاقة للوصول إلى مناجم الذهب. ولذلك أصبح أركتيك مكاناً يستطيع فيه كثير من المسافرين والمنقبين المحليين الراحة وتلبية احتياجاتهم اليومية.
ومع ازدهار النشاط، استطاع فريدريش جمع المزيد من رأس المال. لكنه لم يحصر عمله في المنطقة نفسها. فقد أوجد تغيّر طرق النقل وانتقال المركز الاقتصادي للمنطقة فرصة جديدة لتوسيع نشاطه.
وشكّل هذا التحول بداية مرحلة أخرى في المسيرة التجارية لجد ترامب؛ مرحلة ستقوده إلى وايت هورس.
الانتقال إلى وايت هورس: قرار ذكي لحماية رأس ماله
مع اكتمال خط سكة حديد وايت باس ويوكون روت عام 1900، بدأت طرق المنقبين عن الذهب تتغير. وأصبحت مدينة وايت هورس أحد مراكز النقل الرئيسية في المنطقة، في حين تراجعت الأهمية التجارية لبينيت.
نقل فريدريش ترامب، الذي كان يتابع تطورات السوق عن كثب، نشاط أركتيك إلى وايت هورس مع شريكه، وواصلا تشغيله كمطعم وفندق. وقد روّج له إعلان في صحيفة وايت هورس ستار عام 1901 باعتباره من أفضل المنشآت تجهيزاً شمال فانكوفر.
لكن اهتمام فريدريش لم يقتصر على توسيع أعماله. فازدهار حمى الذهب لم يكن ليستمر إلى الأبد. ومع تراجع فرص التنقيب وتغيّر الظروف الاقتصادية للمنطقة، كان استمرار العمل في يوكون قد ينطوي على مخاطر أكبر. كما هددت النشاط خطط للحد من المقامرة وبيع المشروبات الكحولية والبغاء.
في عام 1901، باع حصته في النشاط لشريكه وعاد إلى بلدته في ألمانيا برأس مال كبير. وبهذه الطريقة، استطاع الحفاظ على مكاسبه المالية قبل أن تتلاشى الفرصة الاقتصادية في كلوندايك تماماً.
لكن قصة ثروة فريدريش ترامب لم تنته عند هذا الحد. فرأس المال الذي جمعه في كندا سيصبح لاحقاً أساساً لدخول الجيل التالي من عائلة ترامب إلى سوق العقارات.
كيف انتقلت ثروة فريدريش ترامب إلى الجيل التالي؟
بعد عودته إلى الولايات المتحدة، واصل فريدريش ترامب أنشطته التجارية في نيويورك. وعاد في البداية إلى العمل حلاقاً قبل أن يستخدم رأس المال الذي جمعه خلال سنوات عمله لدخول سوق العقارات.
بدأ الاستثمار في عقارات بمنطقة كوينز في نيويورك، مستفيداً من نمو المنطقة وتزايد الطلب على السكن. لكن حياته كانت قصيرة نسبياً. فقد توفي فريدريش عام 1918 عن عمر 49 عاماً خلال جائحة الإنفلونزا الإسبانية.
بعد وفاته، تولت زوجته إليزابيث إدارة أصول الأسرة وواصلت نشاطها العقاري إلى جانب ابنهما فريد ترامب. وأصبح فريد لاحقاً من كبار مطوري العقارات السكنية في نيويورك، ووسّع ثروة العائلة بدرجة كبيرة.
وهكذا تحول رأس المال الذي جمعه فريدريش باغتنام الفرص التجارية خلال حمى الذهب إلى نشاط عقاري أكبر بكثير في الجيل التالي؛ وهو مسار أسهم في نهاية المطاف في إرساء أسس ثروة الأجيال اللاحقة من عائلة ترامب.
وراء ثروة جد ترامب: دخل يتجاوز إدارة مطعم
قد نفترض أن كل دخل فريدريش ترامب جاء من بيع الطعام وتأجير الغرف للمنقبين. لكن الواقع كان مختلفاً بعض الشيء.
إلى جانب الطعام والإقامة، قدم مطعم أركتيك مشروبات كحولية وغرفاً خاصة. وتشير رواية المؤرخة غويندا بلير إلى أن بعض أنشطة المنشأة شملت أيضاً المقامرة وتوفير مكان يلتقي فيه المنقبون بالعاملات في الجنس. وإلى جانب أعمال المطعم، أسهمت هذه الأنشطة في إيرادات المنشأة، وإن كانت الترتيبات الدقيقة وتوزيعات الدخل غير مثبتة هنا.
في ذلك الوقت، وفرت بلدات التعدين التي يغلب الرجال على سكانها سوقاً نشطة لهذه الخدمات. وقد فهم فريدريش ترامب أيضاً الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة، وأنشأ نشاطاً تجاوز تلبية الاحتياجات الأساسية للمسافرين.
وهذا يبين أن الثروة الأولية لعائلة ترامب لم تأت من مطعم بسيط وحده. بل إن مجموعة من الخدمات المقدمة خلال ازدهار حمى الذهب أوجدت لفريدريش مصادر متعددة للدخل.
الدرس الاقتصادي من جد ترامب: ليس عليك دائماً أن تنقب عن الذهب بنفسك!
تُظهر قصة فريدريش ترامب أن تكوين الثروة لا يتطلب دائماً الانخراط المباشر في الجزء الأكثر مضاربة من قطاع ما. فأحياناً قد يكون تحديد احتياجات السوق وتقديم خدمات يعتمد عليها الآخرون أكثر ربحية من المشاركة في النشاط الرئيسي للسوق. ومع ذلك، تواجه شركات الخدمات مخاطر تجارية وتنظيمية؛ وهذا المثال التاريخي لا يضمن الربحية.
خلال حمى الذهب، كرّس آلاف الأشخاص كل رؤوس أموالهم وطاقاتهم للعثور على الذهب. لكن فريدريش ترامب أدرك أنهم يحتاجون إلى الطعام والإقامة وخدمات أخرى متنوعة لمواصلة رحلاتهم. وبدلاً من منافسة المنقبين، بنى نشاطاً يحقق دخلاً من وجودهم.
ولا يزال هذا النهج حاضراً اليوم في عالمي الاستثمار وريادة الأعمال. فعلى سبيل المثال، خلال ازدهار التكنولوجيا، قد تستفيد الشركات التي تصنع المنتجات الرقمية، وكذلك الشركات التي توفر البنية التحتية والخدمات السحابية والأدوات التي تحتاج إليها تلك الشركات من نمو السوق.
وبالطبع، تقدم قصة جد ترامب درساً مهماً آخر: معرفة توقيت الخروج من السوق لا تقل أهمية عن معرفة توقيت دخوله. فمع تغيّر الظروف الاقتصادية للمنطقة، نقل نشاطه ثم سحب رأس ماله في النهاية من يوكون.
وفي نهاية المطاف، يمكن تلخيص قصة تكوين جد دونالد ترامب لثروته في مبدأ اقتصادي واحد:
للعثور على فرص اقتصادية كبيرة، ليس عليك دائماً أن تنقب عن الذهب بنفسك. فأحياناً يكفي أن تفهم احتياجات من يبحثون عنه.


