بقلم Dr. MHS

لماذا تهم عُمان في النظام اللوجستي الجديد للشرق الأوسط؟

كيف يمكن لموانئ عُمان وروابط السكك الحديدية والشحن الجوي وشبكتها اللوجستية أن تعزز دورها في التجارة الإقليمية.
سفينة حاويات تدخل ميناءً عُمانياً عند الغروب، في إشارة إلى تنامي دور عُمان في الخدمات اللوجستية والتجارة البحرية في الشرق الأوسط.
Insight
تاريخ النشر
August 13, 2026

إذا تعرض غداً أحد أهم المسارات البحرية في الشرق الأوسط للاضطراب، فأين ستتجه التجارة الإقليمية؟

حتى قبل بضع سنوات فقط، لم تكن الإجابة عن هذا السؤال تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام لدى بعض الشركات. كانت الشركات تبحث أساساً عن أقصر المسارات وأسرعها وأقلها تكلفة. لكن المعادلة تغيرت اليوم. فأمن المسار، والوصول إلى موانئ بديلة، ومستوى الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية أصبحت عوامل لا تقل أهمية عن تكلفة النقل.

يظل مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس من أهم شرايين التجارة العالمية، وأي اضطراب في هذه المسارات يمكن أن يؤثر في تكاليف التأمين وأوقات الشحن وحتى الطرق التي تسلكها السفن. ونتيجة لذلك، تعيد شركات الشحن وأصحاب البضائع تصميم سلاسل الإمداد لتجنب الاعتماد على مسار أو ميناء واحد.

ويسهم هذا التحول في تشكيل نظام لوجستي جديد في الشرق الأوسط، يمكن أن تلعب فيه عُمان دوراً مميزاً بفضل موقعها الجغرافي ووصولها المباشر إلى بحر العرب والمحيط الهندي وشبكتها المتنوعة من الموانئ.

لكن لماذا عُمان؟ وكيف يمكن لصلالة وصحار والدقم أن تحول البلاد من مجرد مسار بحري إلى عقدة أساسية في شبكة التجارة المستقبلية للشرق الأوسط؟

لماذا تتغير الخريطة اللوجستية للشرق الأوسط؟

لطالما اعتمدت خريطة التجارة في الشرق الأوسط على عدد محدود من المسارات الرئيسية، لكن السنوات الأخيرة أوضحت أن هذا الاعتماد يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف كبيرة. فعندما تمر نسبة كبيرة من التجارة عبر نقاط اختناق مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب وقناة السويس، قد تكون لأي اضطراب في أحد هذه المسارات آثار تتجاوز مجرد التأخير.

ويُعد ارتفاع المخاطر الأمنية في البحر الأحمر وحول مضيق باب المندب مثالاً واضحاً على هذا التحول. فقد أظهرت إعادة توجيه السفن، وطول مسافات الإبحار، وارتفاع تكاليف التأمين، وامتداد أوقات التسليم، أن انخفاض تكلفة النقل وحده لا يكفي لجعل المسار خياراً موثوقاً.

ولهذا تتجه شركات الشحن الكبرى وأصحاب البضائع إلى نهج مختلف: تنويع مسارات الإمداد وخلق بدائل. فبدلاً من الاعتماد على ميناء أو طريق واحد باعتباره العمود الفقري لسلسلة الإمداد، يجري تطوير شبكة من الموانئ والطرق والسكك الحديدية ومراكز التوزيع بحيث يمكن استمرار التدفقات التجارية عبر مسار بديل إذا وقع اضطراب.

ولا يقتصر هذا التحول على الاستجابة للأزمات الحالية. فالتنافس على السيطرة على ممرات تجارية جديدة وتطويرها، وربط آسيا بأوروبا، وتوسيع شبكات النقل متعدد الوسائط، يعيد أيضاً تشكيل مواقع الدول على الخريطة اللوجستية للمنطقة.

وفي هذه الظروف، عادت الجغرافيا لتصبح أصلاً استراتيجياً. فالدولة التي تستطيع الوصول إلى الأسواق الرئيسية في الخليج، وفي الوقت نفسه الارتباط بالمسارات الدولية من دون الاعتماد الكامل على نقطة اختناق بحرية واحدة، تمتلك فرصاً أكبر لجذب التجارة.

وهنا تتجاوز ميزة عُمان مجرد الخصائص الجغرافية. فالبلاد تقع على امتداد بحر العرب، وتتمتع عبر موانئها الجنوبية والشرقية بوصول إلى المياه المفتوحة، مع بقائها في الوقت نفسه قريبة من أسواق الخليج والشبكة التجارية لشبه الجزيرة العربية.

لكن الجغرافيا لا تتحول إلى ميزة لوجستية إلا عندما تكون البنية التحتية قادرة على استثمارها. وخلال السنوات الأخيرة، تجاوزت عُمان الاعتماد على ميناء واحد وطورت شبكة موانئ تؤدي أدواراً مختلفة لكنها متكاملة. وقد تكون هذه البنية أحد العوامل الرئيسية التي تميز عُمان عن النموذج اللوجستي التقليدي في المنطقة.

كيف تحول عُمان الجغرافيا إلى ميزة لوجستية؟

لا تتمثل ميزة عُمان فقط في امتلاكها عدة موانئ رئيسية. الأهم أن هذه الموانئ تستطيع أداء أدوار مختلفة داخل سلسلة إمداد متعددة المسارات. فبدلاً من تركيز كل القدرة اللوجستية في موقع واحد، تعمل عُمان على بناء شبكة تؤدي فيها صلالة وصحار والدقم وظائف متمايزة.

ويصبح هذا الاختلاف مهماً بصورة خاصة عندما يكون الهدف تقليل الاعتماد على مسار واحد. فإذا ركز ميناء على مناولة الحاويات والتجارة الدولية، استطاع ميناء آخر الارتباط بالشبكة البرية الخليجية، بينما يدعم ميناء ثالث الصناعات الثقيلة ومشروعات الطاقة والتطورات واسعة النطاق. والنتيجة نظام يخلق نقاط دخول وخروج متعددة للتجارة بدلاً من الاعتماد على بوابة واحدة.

صلالة: بوابة عُمان للتجارة بين الشرق والغرب

في جنوب عُمان، يقع ميناء صلالة بالقرب من أحد المسارات البحرية الرئيسية التي تربط آسيا وأفريقيا وأوروبا. وقد أتاح له هذا الموقع الاستراتيجي أداء دور يتجاوز مجرد خدمة احتياجات عُمان المحلية من الاستيراد والتصدير.

ومن أهم قدرات صلالة إعادة الشحن. ففي هذا النموذج، لا تكون صلالة بالضرورة الوجهة النهائية للبضائع. يمكن لسفينة كبيرة تفريغ شحنتها في الميناء، ثم تُنقل البضائع إلى سفن أصغر لتُشحن إلى أسواق شرق أفريقيا أو شبه الجزيرة العربية أو وجهات إقليمية أخرى.

ويتيح هذا النموذج لصلالة تحقيق إيرادات من موقعها على المسارات التجارية الدولية بدلاً من الاعتماد أساساً على حجم السوق المحلية في عُمان. ويمكن للميناء أن يعمل كنقطة توزيع تصل إليها البضائع من المسارات الدولية الرئيسية ثم تُوزع على عدة أسواق مختلفة.

وبالطبع، لا تتمتع صلالة بعزل كامل عن المخاطر الإقليمية. فالسفن المتجهة إلى أوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس لا تزال بحاجة إلى المرور عبر مضيق باب المندب. لكن مع إعادة شركات الشحن توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح أو تعديل خدماتها بين الهند وشرق أفريقيا والأسواق العربية، قد تزداد أهمية موقع صلالة في مجالات تمتد من تموين السفن والخدمات البحرية إلى تعديل المسارات وإعادة توزيع البضائع.

أما في شمال البلاد فتعمل معادلة مختلفة. ففي حين ترتبط صلالة بصورة أوثق بالتجارة البحرية بين الشرق والغرب، تستطيع صحار أن تعمل كجسر بين عُمان والشبكة الاقتصادية للخليج.

صحار: حيث يلتقي البحر بالشبكة البرية للخليج

يقع ميناء صحار في شمال عُمان بالقرب من أسواق الإمارات والمراكز الصناعية في المنطقة. وقد تطورت حول الميناء منطقة حرة ومجموعة من صناعات المعادن والبتروكيماويات والخدمات اللوجستية. ولذلك لا تُعد صحار مجرد موقع لتحميل الحاويات وتفريغها، بل جزءاً من منظومة صناعية وتجارية أوسع.

يمكن للبضائع أن تدخل صحار، ثم تُخزن في المستودعات أو تُعالج في المنشآت الصناعية، وبعد ذلك تُنقل إلى الأسواق الإقليمية براً أو مستقبلاً بالسكك الحديدية. وهذا الربط بين الميناء والصناعة والنقل البري هو ما يزيد القيمة اللوجستية لصحار.

ويكتسب مشروع حفيت للقطارات، وهو خط السكك الحديدية قيد الإنشاء بين صحار وشبكة الإمارات، أهمية أيضاً في هذا السياق. ففي أبريل 2026، أفاد حفيت للقطارات بأن المشروع وصل إلى نسبة إنجاز تبلغ 40%. وإذا دخل هذا الربط الخدمة، فقد تتمكن بعض البضائع التي تدخل عُمان بحراً من الوصول إلى الإمارات عبر شبكة السكك الحديدية بدلاً من مواصلة الطريق بالشاحنات، ومن هناك الوصول إلى شبكة النقل البري الأوسع في دول الخليج.

ولهذا التحول أهمية اقتصادية. فالميناء الذي يقتصر دوره على مناولة البضائع يحقق إيراداته أساساً من خدمات الميناء. أما الميناء الذي يناول البضائع ويخزنها ويعالجها ثم يوزعها عبر الطرق أو السكك الحديدية، فيشارك في مراحل متعددة من سلسلة القيمة.

ولهذا يمكن أن تصبح صحار إحدى أهم النقاط التي تربط عُمان بالنظام اللوجستي الجديد في المنطقة. لكن إذا أرادت عُمان أن تتجاوز دور مسار العبور وتجذب أيضاً مشروعات صناعية وطاقة كبيرة، فإن ميناءً آخر يكتسب أهمية أكبر.

الدقم: الذراع الصناعية وذراع الطاقة لعُمان

إذا أمكن اعتبار صلالة بوابة عُمان للتجارة البحرية، وصحار جسراً بين عُمان والشبكة البرية للخليج، فإن الدقم تؤدي بصورة أكبر دور مركز صناعي ولوجستي طويل الأجل.

تقع الدقم على بحر العرب وخارج المسار المباشر لمضيق هرمز، وقد جرى تطويرها منذ البداية بنهج مختلف عن موانئ المنطقة الأقدم. ويجري تطوير الميناء والمنطقة الاقتصادية الخاصة والصناعات الثقيلة والمصفاة ومنشآت تخزين الطاقة والمطار والبنية التحتية لإصلاح السفن وصيانتها ضمن مجمع كبير ومتكامل.

ومن أهم مزايا الدقم المساحات الواسعة المتاحة للمشروعات الكبرى. ويسمح ذلك لعُمان بجذب صناعات تحتاج إلى أراضٍ كبيرة وأرصفة عميقة ووصول مباشر إلى البحر، بدءاً من التكرير والبتروكيماويات وصولاً إلى تخزين الطاقة وإصلاح السفن وتصنيع المعدات ومشروعات الطاقة النظيفة.

فعلى سبيل المثال، يمكن للمعدات الثقيلة اللازمة لمشروع طاقة أن تدخل عبر ميناء الدقم، ثم تُعالج أو تُجمع داخل المنطقة الاقتصادية، وبعد ذلك تُشحن إلى أسواق إقليمية أخرى. وفي هذا النموذج، لا يكون الميناء مجرد نقطة دخول للبضائع، بل تنتقل أيضاً أجزاء من عملية الإنتاج وخلق القيمة إلى داخل عُمان.

ولهذا لا يُتوقع أن تستبدل الدقم موانئ مثل جبل علي أو حتى صلالة في المدى القصير. فدورها مختلف: إنشاء قاعدة واسعة للصناعات التي قد تولد مستقبلاً تدفقات جديدة من التجارة والطاقة والنقل إلى عُمان.

وتزداد أهمية ذلك عندما يدخل تحول الطاقة في المعادلة. إذ تطور عُمان مشروعات للهيدروجين الأخضر في الدقم وصلالة، بما في ذلك مشروعات تستهدف إنتاج مشتقات الهيدروجين مثل الأمونيا الخضراء للتصدير. ونتيجة لذلك، قد لا تقتصر الموانئ العُمانية في السنوات المقبلة على مناولة النفط والحاويات، بل قد تصبح أيضاً جزءاً من البنية التحتية التي تدعم الجيل التالي من تجارة الطاقة.

لكن الشبكة اللوجستية الحديثة لا تقتصر على الموانئ. فحتى أفضل ميناء لا يخلق قيمة حقيقية إلا إذا استطاع نقل البضائع بسرعة وكفاءة إلى وجهتها التالية. ولهذا يرتبط مستقبل قطاع الخدمات اللوجستية في عُمان ارتباطاً وثيقاً بالربط بين النقل البحري والبري والسكك الحديدية والنقل الجوي.

من الميناء إلى الوجهة: لماذا يهم الربط متعدد الوسائط؟

أحد أهم التحولات في الخدمات اللوجستية الحديثة هو الانتقال من نموذج «ميناء إلى ميناء» نحو النقل متعدد الوسائط. ففي هذا النموذج، يمكن أن تصل البضاعة بالسفينة، ثم تُعالج أو تُخزن في مركز لوجستي، وبعد ذلك تصل إلى وجهتها النهائية بالقطار أو الشاحنة أو الطائرة.

وتتحرك عُمان في الاتجاه نفسه.

وقد يصبح الربط بين صحار وشبكة السكك الحديدية في الإمارات أحد أهم أجزاء هذه المنظومة. فإذا اندمجت هذه الشبكة مستقبلاً بصورة أوسع مع الممرات البرية لدول مجلس التعاون الخليجي، فقد تتحول عُمان من مجرد وجهة بحرية إلى نقطة تربط بين النقل البحري والبري.

ويُعد الشحن الجوي عنصراً آخر في هذه الشبكة. ففي مايو 2026، أعلنت أسياد الجاهزية التشغيلية للمنطقة الحرة بمطار مسقط بعد استكمال البنية التحتية للمرحلة الأولى. ويمكن لتركيزها على الخدمات اللوجستية المتكاملة أن يزيد قدرة عُمان على مناولة البضائع الحساسة للوقت، من الأدوية والمكونات الإلكترونية إلى شحنات التجارة الإلكترونية.

وفي مثل هذا الهيكل، لن تقتصر ميزة عُمان على عدد الموانئ أو عمق أرصفتها. بل ستكون ميزتها الأساسية القدرة على إنشاء شبكة مترابطة بين النقل البحري والبري والسكك الحديدية والنقل الجوي.

وهذا تحديداً ما يتطلبه النظام اللوجستي الجديد للشرق الأوسط: ليس ميناءً كبيراً واحداً، بل شبكة قادرة على الحفاظ على مرونتها في مواجهة الاضطرابات.

أسياد: عندما تتجاوز الخدمات اللوجستية حدود الميناء

إنشاء ميناء أو خط سكة حديد أو منطقة حرة بمفرده لا يحول دولة إلى مركز لوجستي. ما يمنح هذه الأصول قيمة حقيقية هو التنسيق بينها وربطها بشبكات تجارية أكبر. وهنا تبرز أهمية دور مجموعة أسياد في الاستراتيجية اللوجستية لعُمان.

وضعت عُمان جزءاً كبيراً من أصولها وخدماتها اللوجستية تحت المظلة الأوسع لـمجموعة أسياد، بما ينسق بين الموانئ والمناطق الحرة والشحن والنقل البري وخدمات سلسلة الإمداد. ويمكن لهذا الهيكل أن يتيح للعملاء الوصول إلى مراحل مختلفة من نقل البضائع ضمن سلسلة إمداد أكثر تكاملاً، بدلاً من الاضطرار إلى إدارة كل مرحلة بصورة منفصلة.

وتزداد أهمية هذا النموذج مع توسع أسياد خارج حدود عُمان. ففي يونيو 2026، أعلنت أسياد الاستحواذ على حصة مسيطرة في منصات لوجستية رئيسية في أوزبكستان. وقالت المجموعة إن الصفقة تنشئ اتصالاً مباشراً بين الموانئ العُمانية وممرات التجارة في آسيا الوسطى التي تربط الشرق الأوسط بالصين وأوروبا والأسواق المجاورة.

ويحمل هذا التحول رسالة مهمة: لا تريد عُمان أن تكون مجرد مكان تُحمّل فيه البضائع وتُفرغ. فالهدف الأوسع هو أن تصبح جزءاً من إدارة ممرات التجارة الدولية.

وفي هذا النموذج، لم يعد الميناء مجرد نقطة البداية لسلسلة الإمداد. يمكن للبضائع أن تدخل عبر ميناء عُماني، ثم تُعالج وتُخزن في المناطق الحرة أو المراكز اللوجستية، وبعد ذلك تنتقل عبر الشبكة البرية إلى أسواق الخليج أو ترتبط عبر مسارات أخرى بآسيا الوسطى والأسواق الأكبر.

وهنا تتحول الميزة الجغرافية لعُمان إلى ميزة تجارية. فالجغرافيا وحدها لا تولد الإيرادات، لكن عندما تجتمع مع الموانئ والمستودعات والصناعة والنقل البري والخدمات الجمركية والشبكات الدولية، يمكن أن تنشئ سلسلة قيمة لوجستية.

ميزة أخرى في الخريطة اللوجستية لعُمان

البنية التحتية ليست العامل الوحيد الذي يحدد اختيار مسار تجاري. ففي منطقة يمكن للمخاطر الجيوسياسية فيها أن تؤثر مباشرة في التجارة، يكتسب الاستقرار والقدرة على التنبؤ أهمية كبيرة أيضاً.

تؤكد السياسة الخارجية لعُمان على الحوار والعلاقات المتوازنة والحياد الإيجابي. وتصف وزارة الخارجية العُمانية الحوار والحفاظ على العلاقات مع الشركاء الإقليميين باعتبارهما من المبادئ الأساسية. ويمكن لهذا النهج أن يمنح ميزة نسبية لدولة تسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز تجاري يربط بين عدة مناطق.

وبالطبع، لا تعني هذه الميزة أن عُمان بمنأى عن المخاطر الإقليمية. فلا يوجد ميناء في الشرق الأوسط يعمل بمعزل كامل عن التطورات الأمنية المحيطة به. لكن بالنسبة إلى الشركات التي تسعى إلى تنويع مساراتها التجارية، فإن وجود خيار يتمتع بقدر نسبي من الاستقلال مع وصول مباشر إلى المياه المفتوحة يمكن أن يحمل قيمة استراتيجية كبيرة.

وفي النهاية، لم يعد السؤال الرئيسي مجرد ما إذا كانت عُمان تمتلك موانئ مناسبة. السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الأصول قادرة على العمل بسرعة وبتكلفة تنافسية وموثوقية وربط كافٍ بحيث تختار الشركات الدولية عُمان فعلاً كمسار تجاري رئيسي.

ولا تعتمد الإجابة على فرص عُمان وحدها، بل أيضاً على القيود التي ما زالت تواجهها البلاد.

تحديات عُمان في التحول إلى مركز لوجستي إقليمي

على الرغم من كل المزايا التي تقدمها عُمان ضمن النظام اللوجستي الناشئ في الشرق الأوسط، فإن التحول إلى مركز تجاري إقليمي رئيسي لن يكون عملية مباشرة. فامتلاك موانئ حديثة وموقع جغرافي مناسب ليس سوى الجزء الأول من المعادلة، لأن الشركات الدولية تختار المسارات اللوجستية بناءً على مجموعة واسعة من العوامل.

ومن أبرز التحديات شدة المنافسة مع لاعبين إقليميين أقوياء. فقد أمضت الإمارات، بموانئ رئيسية مثل جبل علي وميناء خليفة، سنوات في ترسيخ موقعها كأحد أبرز مراكز التجارة والخدمات اللوجستية في العالم. كما تسعى السعودية إلى توسيع دورها في التجارة الإقليمية عبر استثمارات واسعة في الموانئ والمناطق الصناعية وممرات النقل.

وفي هذه الظروف، لا تستطيع عُمان منافسة هذه الأطراف بالاعتماد على موقعها الجغرافي وحده. فالجغرافيا لا تتحول إلى ميزة اقتصادية إلا عندما تدعمها خدمات سريعة وتكاليف تنافسية وروابط شحن واسعة وإجراءات جمركية فعالة وبنية تحتية رقمية وربط بري قوي.

ويتمثل تحدٍ آخر في استكمال شبكة النقل المحلية والإقليمية لعُمان. فما زالت بعض مشروعات السكك الحديدية والروابط البرية بحاجة إلى مزيد من التطوير، وسيعتمد نجاح عُمان على المدى الطويل على ضمان ألا تكون موانئها مجرد نقاط دخول وخروج للبضائع، بل أن تكون مرتبطة بشبكة أوسع من مراكز الإنتاج والتوزيع والاستهلاك.

وفي الوقت نفسه، فإن السوق المحلية العُمانية أصغر من أسواق بعض الدول المجاورة. ولذلك سيعتمد نجاح عُمان بدرجة أكبر على جذب التجارة الدولية وإعادة التصدير والصناعات المرتبطة بالموانئ والخدمات اللوجستية ذات القيمة المضافة، بدلاً من الاعتماد أساساً على الاستهلاك المحلي.

وفي الواقع، ستظهر القيمة الحقيقية للخدمات اللوجستية بالنسبة إلى عُمان عندما لا تمر البضائع عبر البلاد فقط، بل تولد أيضاً نشاطاً اقتصادياً داخلها. فالتخزين والتعبئة وإصلاح السفن وصيانتها ومعالجة البضائع ومراكز التوزيع والخدمات الجمركية الرقمية والصناعات المرتبطة بالطاقة يمكن أن تنقل حصة أكبر من سلسلة القيمة إلى الاقتصاد العُماني.

ولهذا لن يعتمد مستقبل قطاع الخدمات اللوجستية في عُمان فقط على عدد السفن التي تدخل موانئها، بل على مقدار القيمة الاقتصادية التي تُخلق داخل البلاد.

وإذا تمكنت عُمان من إدارة هذه التحديات، فقد يحول الجمع بين تنوع موانئها وروابط النقل الجديدة وموقعها الجيوسياسي البلاد إلى أحد الخيارات المهمة في شبكة التجارة المستقبلية للشرق الأوسط.

لكن في النهاية، ما الدور الذي ستؤديه عُمان تحديداً في هذا النظام الناشئ؟ هل تسعى إلى استبدال مراكز رئيسية مثل الإمارات، أم أنها تتبع مساراً مختلفاً؟

الخلاصة: مستقبل عُمان في النظام اللوجستي الجديد للشرق الأوسط

لا ينبغي تعريف دور عُمان في النظام اللوجستي الجديد للشرق الأوسط من خلال سباق لبناء «أكبر ميناء في المنطقة». فمن المرجح أن يكون مسار عُمان إلى النجاح مختلفاً. فبدلاً من تركيز قدرتها اللوجستية في موقع واحد، تسعى البلاد إلى بناء شبكة لوجستية مرنة متعددة المراكز.

وفي هذه الشبكة، يؤدي كل مكون دوراً مختلفاً. تعمل صلالة كبوابة للمسارات البحرية بين الشرق والغرب ومركز مهم لإعادة الشحن. ويمكن لصحار أن تعمل كحلقة وصل بين التجارة البحرية العُمانية والشبكة البرية للخليج. أما الدقم، بتركيزها على الصناعات الثقيلة والطاقة والمشروعات المستقبلية، فيمكن أن تكون قاعدة صناعية ولوجستية طويلة الأجل. وإلى جانب هذه الموانئ، يضيف تطوير النقل الجوي والخدمات اللوجستية السريعة في مسقط طبقة أخرى إلى سلسلة الإمداد.

ويقدم هذا النموذج ميزة مهمة: فإذا تعرض مسار تجاري واحد للاضطراب، لا يعتمد النظام بأكمله على نقطة واحدة. وفي عالم أصبح فيه أمن سلاسل الإمداد أولوية رئيسية للشركات الدولية، يمكن أن يصبح وجود البدائل ميزة اقتصادية مهمة.

ولذلك فإن أهمية عُمان المستقبلية لا تكمن في موقعها الجغرافي وحده، بل أيضاً في قدرتها على تحويل هذا الموقع إلى شبكة عاملة من التجارة والصناعة والنقل.

ومن غير المرجح أن تستبدل عُمان مراكز رئيسية مثل الإمارات في المدى القصير. لكنها تستطيع ترسيخ دور مختلف داخل البنية الجديدة للتجارة الإقليمية، يركز على أمن المسارات وتنويع الخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالموانئ والربط بين آسيا وأفريقيا والخليج وأوروبا.

وفي النهاية، لم يعد النظام اللوجستي الجديد في الشرق الأوسط يدور فقط حول العثور على أسرع مسار أو أرخصه. المستقبل للشبكات القادرة على البقاء آمنة ومتنوعة وموثوقة. وفي هذا التحول، تُعد عُمان، بفضل الجمع بين جغرافيتها وبنيتها التحتية واستراتيجيتها التنموية، واحدة من الدول التي قد تستحوذ على حصة مهمة من هذه الفرصة الناشئة.

محادثة واتساب · عُمان
محادثة واتساب · الإمارات
تابعنا على إنستغرام
تواصل معنا على لينكدإن