بقلم Dr. MHS

النظام الأمني المتغير في الخليج: هل لم تعد الولايات المتحدة القوة المهيمنة؟

كيف تنوّع دول الخليج شراكاتها الأمنية وتبني قدرًا أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية.
قوات بحرية في الخليج تحيط بخريطة مضيئة للمنطقة، في إشارة إلى تغير النظام الأمني وتبدل دور القوة الأمريكية في الخليج.
الرؤى
تاريخ النشر
September 15, 2026

لعقود، ارتبط أمن الخليج ارتباطًا وثيقًا باسم واحد: الولايات المتحدة. لكن هذه المعادلة تتغير اليوم.

لم تعد دول الخليج تريد أن يعتمد مستقبلها الأمني والاقتصادي على قوة واحدة. فما تزال السعودية والإمارات وقطر تحافظ على علاقات استراتيجية مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه توسع علاقاتها مع الصين وقوى إقليمية أخرى.

لم تعد الصين مجرد مشترٍ لنفط الخليج. فقد أصبحت شريكًا مهمًا في التجارة والتكنولوجيا والاستثمار. وفي الوقت نفسه، تسعى دول المنطقة إلى قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية من خلال تعزيز قدراتها الدفاعية، وتنويع اقتصاداتها، وانتهاج دبلوماسية أكثر نشاطًا.

هذا لا يعني أن الولايات المتحدة يجري إقصاؤها من الخليج. بل يشير إلى ظهور نظام لا يُتوقع فيه أن تبقى قوة واحدة الخيار الوحيد للمنطقة.

لكن لماذا يحدث هذا التحول الآن؟ وإلى أي نوع من النظام الأمني يتجه الخليج؟

قد ترسم الإجابة ملامح مستقبل واحدة من أهم مناطق العالم للطاقة ورأس المال.

كيف تشكّل النظام الأمني القديم في الخليج؟

لفهم سبب تغير النظام الأمني في الخليج اليوم، من المهم العودة إلى المرحلة التي بدأت فيها هذه البنية الأمنية بالتشكل.

بعد الحرب العالمية الثانية، ارتفعت الأهمية الاستراتيجية للخليج بسرعة بفعل موقعه الجغرافي، واحتياطياته الضخمة من الطاقة، والتنافس بين القوى الكبرى. كانت بريطانيا في البداية أهم قوة خارجية في المنطقة، لكن مع تراجع نفوذ لندن، أصبحت الولايات المتحدة الفاعل الأمني الخارجي الرئيسي في الخليج.

سرّعت الحرب الإيرانية العراقية، ثم غزو العراق للكويت عام 1990، هذه العملية. ولعبت الولايات المتحدة دورًا حاسمًا في تحرير الكويت من خلال عملية عاصفة الصحراء، وبعد ذلك توسع التعاون الدفاعي بين واشنطن ودول مجلس التعاون الخليجي بصورة كبيرة. وأصبحت القواعد العسكرية، ومبيعات الأسلحة واسعة النطاق، والتدريب العسكري، والاتفاقيات الدفاعية من الركائز الأساسية لهذه البنية الأمنية.

وبذلك ظهر نموذج واضح نسبيًا: اعتمدت دول الخليج على الولايات المتحدة في الأمن العسكري المباشر، بينما حافظت واشنطن على حضورها الاستراتيجي ونفوذها في واحدة من أهم مناطق الطاقة في العالم.

لكن المشكلة بدأت تتضح عندما أصبح جليًا أن وجود قوة كبرى لا يعني بالضرورة أن المنطقة محمية بالكامل.

أثارت هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ على منشآت النفط السعودية عام 2019، إلى جانب الصراعات الإقليمية وتصاعد التنافس بين إيران والسعودية والإمارات وأطراف أخرى، سؤالًا جوهريًا: هل كانت البنية الأمنية التقليدية قادرة فعلًا على التعامل مع التهديدات الجديدة التي تواجه الخليج؟

فتح هذا الغموض الباب أمام تحول مهم. فبدلًا من الاكتفاء بالبحث عن ضامن أمني أقوى، بدأت دول الخليج ببناء شبكة أكثر تنوعًا من العلاقات والخيارات الاستراتيجية.

وهنا تحديدًا تدخل الصين إلى القصة.

لماذا لم تعد دول الخليج تريد الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها؟

لسنوات، كان الاعتماد على الولايات المتحدة خيارًا منطقيًا لدول الخليج. لكن التغيرات في البيئة الجيوسياسية للمنطقة دفعتها إلى تطوير خيارات إضافية.

أظهرت الحروب الإقليمية، والهجمات على البنية التحتية للطاقة، وحالة عدم اليقين بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بأمن الخليج، لحكومات المنطقة أن الاعتماد على شريك أمني قوي واحد يمكن أن يتحول بحد ذاته إلى مصدر ضعف.

لذلك، لا تتمحور الاستراتيجية الناشئة بالضرورة حول «استبدال الولايات المتحدة بالصين».

بل تتبع دول الخليج نموذجًا يوصف جيوسياسيًا غالبًا بتعدد الاصطفافات: الحفاظ على العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة، مع توسيع العلاقات الاقتصادية والسياسية، وحتى العسكرية، مع الصين وروسيا والقوى الإقليمية في الوقت نفسه.

ويمنح هذا النهج ميزة أساسية واحدة: حرية الاختيار.

فعندما تستطيع دولة ما التعاون مع واشنطن في الدفاع، وتوسيع روابطها التجارية والتكنولوجية مع بكين، والحفاظ في الوقت نفسه على علاقات دبلوماسية مع القوى الإقليمية، فإنها تمتلك أوراقًا أقوى في التفاوض وتصبح أقل عرضة للاضطرار إلى اختيار طرف في تنافس القوى الكبرى.

ولهذا السبب تحديدًا أصبحت الصين واحدة من أهم الأطراف في هذه المعادلة؛ ليس بالضرورة بوصفها بديلًا عن الولايات المتحدة، بل بوصفها خيارًا يعزز الوزن الاستراتيجي لدول الخليج.

كيف دخلت الصين إلى المعادلة الاستراتيجية الجديدة في الخليج؟

لم يبدأ دخول الصين إلى الخليج بالسفن الحربية أو القواعد العسكرية. بل بدأ بالنفط والتجارة والاستثمار.

خلال العقدين الماضيين، أصبحت الصين أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لدول مجلس التعاون الخليجي. كانت الطاقة نقطة البداية، لكن التعاون توسع سريعًا ليشمل البنية التحتية والتكنولوجيا والصناعة والاستثمار والتجارة.

كانت العلاقة جذابة للطرفين. فالصين احتاجت إلى الطاقة وأسواق جديدة، بينما احتاجت دول الخليج إلى رأس المال والتكنولوجيا وشركاء اقتصاديين متنوعين لدعم مشروعاتها التنموية.

لكن نقطة تحول أكثر أهمية جاءت عندما أظهرت بكين أنها قادرة أيضًا على لعب دور في الشؤون السياسية للمنطقة.

قدمت وساطة الصين في الاتفاق بين إيران والسعودية عام 2023 صورة مختلفة لدور بكين. فالدولة التي كانت تُعرف أساسًا كشريك اقتصادي دخلت الآن إلى واحدة من أكثر القضايا الجيوسياسية حساسية في المنطقة.

وهنا تحديدًا تكمن أهمية الصين بالنسبة إلى دول الخليج.

ليس من الضروري أن تحل بكين محل واشنطن بوصفها مزود الأمن العسكري في المنطقة. وتشير الأدلة الحالية إلى أن الصين لا تزال تبدي اهتمامًا محدودًا بتولي دور عسكري في الخليج يضاهي الدور الذي تؤديه الولايات المتحدة.

لكن وجود الصين يخلق خيارًا جديدًا، يسمح لدول المنطقة بتوسيع علاقاتها الاقتصادية والسياسية من دون قطع تعاونها مع الولايات المتحدة.

وبعبارة أخرى، لا تتحدد أهمية الصين للخليج فقط بحجم القوة التي تمتلكها الصين نفسها، بل أيضًا بالخيارات التي تمنحها لدول المنطقة.

وهنا تظهر مفارقة لافتة: كلما تعمقت علاقات دول الخليج مع الصين، أصبح من الأصعب على الولايات المتحدة تجاهل المنطقة. وبدلًا من ذلك، يتعين على واشنطن التكيف مع خليج يزداد استقلالًا وتنوعًا في شراكاته.

ما تزال الولايات المتحدة القوة الأمنية الرئيسية في الخليج، فما الذي تغير إذن؟

إذا كانت الصين توسع نفوذها في الخليج، فهل يعني ذلك أن الولايات المتحدة تخسر المنطقة؟

ليس تمامًا.

لا تزال الولايات المتحدة أهم شريك أمني للعديد من دول الخليج. فوجودها العسكري الواسع، وقواعدها الإقليمية، وتعاونها الدفاعي، ومبيعاتها من الأسلحة المتقدمة، تجعل واشنطن حتى اليوم واحدة من الركائز الرئيسية للأمن الإقليمي.

ما تغير هو موقع الولايات المتحدة داخل التفكير الاستراتيجي لحكومات المنطقة.

لم تعد دول الخليج تريد بناء أمنها على افتراض أن قوة أجنبية ستكون مستعدة دائمًا لضمان أمنها في جميع الظروف. ولذلك، وبينما تحافظ على علاقاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة، وسعت في الوقت نفسه روابطها مع الصين وروسيا والقوى الإقليمية.

يمكن النظر إلى هذا النهج بوصفه شكلًا من أشكال الموازنة والاستقلالية الاستراتيجية؛ فهو ليس خروجًا من الفلك الأمريكي، بل محاولة لخلق خيارات إضافية إذا تغيرت الظروف.

حتى تطورات مثل حرب إيران والولايات المتحدة عام 2026، وما ظهر من هشاشة بعض القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، سلطت الضوء مجددًا على حدود النموذج الأمني التقليدي.

وبالتالي، لم تعد المنافسة الحقيقية تدور ببساطة حول «الولايات المتحدة أم الصين».

أصبحت اللعبة أكثر تعقيدًا. فدول الخليج تريد الاستفادة في الوقت نفسه من الأمن الذي توفره الولايات المتحدة، ورأس المال والأسواق الصينية، وعلاقاتها الإقليمية الخاصة، مع تقليل اعتمادها على أي شريك واحد.

لكن الأمر يتجاوز مجرد تحول في السياسة الخارجية. هناك مشروع أكبر يجري تنفيذه: تحويل دول الخليج من مستهلكة للأمن إلى أطراف قادرة على إنتاج عناصر قوتها بنفسها.

وهنا يصبح الفرق بين «شراء القوة» و«بناء القوة» بالغ الأهمية.

من شراء السلاح إلى بناء القوة: كيف يسعى الخليج إلى قدر أكبر من الاستقلال الدفاعي؟

لسنوات، كان شراء المعدات المتقدمة من القوى الأجنبية واحدًا من أبسط الطرق لتعزيز القدرات العسكرية في الخليج. لكن شراء المقاتلات أو الصواريخ أو أنظمة الدفاع لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقلال الدفاعي. فالدولة التي تعتمد على الموردين الأجانب في المعدات وقطع الغيار والتكنولوجيا، وحتى التدريب العسكري، تظل تستمد جزءًا من قدرتها العسكرية من أطراف أخرى.

ولهذا اتخذت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة خطوة إضافية: توطين الصناعات الدفاعية.

حددت السعودية، ضمن استراتيجية رؤية 2030، هدفًا يتمثل في توطين 50% من الإنفاق الدفاعي الحكومي بحلول عام 2030. وفي المقابل، تعمل الإمارات على تطوير قدرات محلية من خلال شركات مثل EDGE في مجالات تشمل الأنظمة غير المأهولة والأسلحة والتقنيات الدفاعية.

هذا التحول ليس مجرد مشروع عسكري. فالصناعة الدفاعية المحلية يمكن أن تدعم نقل التكنولوجيا، وتبني سلاسل توريد محلية، وتطور المواهب المتخصصة، وتسرع نمو الصناعات المتقدمة؛ وهو المسار نفسه الذي تتبعه دول الخليج في سعيها إلى تقليل الاعتماد الاقتصادي وتطوير اقتصادات قائمة على المعرفة.

لذلك، لا يقتصر الاستقلال الاستراتيجي في الخليج على السؤال عمن يوفر الأمن لهذه الدول، بل يتعلق أيضًا بمدى قدرتها على حماية مصالحها بنفسها.

لكن القوة لا تُبنى بالصواريخ والمقاتلات وحدها. فالدولة التي تسعى إلى دور أكبر في النظام العالمي الناشئ يجب أن تكون قادرة أيضًا على إنتاج القوة من خلال اقتصادها وتكنولوجيتها ورأس مالها ودبلوماسيتها.

وهنا تصبح الفروق بين دول الخليج أكثر وضوحًا. فالسعودية والإمارات وقطر قد تتحرك جميعها في اتجاه عام متشابه، لكن كل دولة اختارت نموذجًا مختلفًا لبناء قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.

السعودية والإمارات وقطر: ثلاثة نماذج مختلفة للاستقلال الاستراتيجي

إذا كانت دول الخليج تسعى جميعًا إلى تقليل اعتمادها، فإنها لا تسلك الطريق نفسه. فالسعودية والإمارات وقطر تمثل ثلاثة نماذج مختلفة للاستقلال الاستراتيجي.

السعودية: بناء القوة من الداخل

تسعى السعودية إلى تحويل ثقلها الجيوسياسي من دولة رئيسية مصدرة للنفط إلى قوة متعددة الأبعاد اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا. ورؤية 2030 ليست مجرد مشروع للتنويع الاقتصادي؛ إذ إن تطوير صناعة دفاعية محلية يشكل أيضًا جزءًا من هذه الاستراتيجية الأوسع. وقد حددت الرياض هدفًا يتمثل في توطين 50% من إنفاقها العسكري بحلول عام 2030.

وفي الوقت نفسه، نوّعت السعودية علاقاتها بين الولايات المتحدة والصين والقوى الإقليمية. ويمنح هذا النهج الرياض خيارات أوسع وأوراق تفاوض أقوى في سياستها الخارجية.

الإمارات: الجمع بين رأس المال والتكنولوجيا والنفوذ

اختارت الإمارات مسارًا مختلفًا. فهي تسعى إلى تحويل قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية إلى نفوذ جيوسياسي. ويشكل تطوير الموانئ وشبكات التجارة، والاستثمار الخارجي، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدفاعية، عناصر أساسية في هذه الاستراتيجية.

كما يوضح إنشاء شركة EDGE الدفاعية أن أبوظبي لا تعتمد فقط على شراء المعدات العسكرية من الخارج، بل تسعى إلى تطوير قدرات محلية لإنتاج التقنيات المتقدمة والأنظمة الدفاعية.

قطر: القوة عبر الدبلوماسية

تتبع قطر، من جهتها، نموذجًا آخر. فبدلًا من الاعتماد على المساحة الجغرافية أو القوة العسكرية، تستخدم الطاقة والثروة والدبلوماسية والوساطة لتعزيز وزنها الاستراتيجي.

تستطيع الدوحة أن تستضيف في الوقت نفسه وجودًا عسكريًا أمريكيًا، وتحافظ على علاقات اقتصادية واسعة مع الصين، وتؤدي دور الوسيط في نزاعات إقليمية حساسة. وهذه القدرة على الاحتفاظ بعلاقات مع أطراف مختلفة تمنح قطر نوعًا من النفوذ الاستراتيجي يتجاوز بكثير حجمها الجغرافي.

وبالتالي، لا توجد صيغة واحدة للاستقلال الاستراتيجي في الخليج. فالسعودية تعتمد على الحجم والقوة الوطنية، والإمارات على التكنولوجيا ورأس المال، وقطر على الطاقة والدبلوماسية.

لكن مع شروع دول المنطقة في بناء هذه الشبكات من العلاقات، لا يمكن تجاهل مجموعة أخرى من الأطراف: القوى الإقليمية التي تسعى بدورها إلى موقع داخل البنية الأمنية الناشئة في الخليج.

القوى الإقليمية تدخل المعادلة: ما أدوار إيران وتركيا وباكستان؟

لا يقتصر تغير النظام الأمني في الخليج على المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. فإلى جانب هاتين القوتين الكبيرتين، توسع أطراف إقليمية أدوارها أيضًا، ويستخدم كل منها أدوات مختلفة للتأثير في أمن المنطقة.

تُعد إيران واحدة من أهم هذه الأطراف. فموقعها الجغرافي، وقدراتها الصاروخية والمسيّرة، وسيطرتها على مضيق هرمز تمنح طهران أوراق ضغط لا يمكن تجاهلها. وردًا على ذلك، تسعى دول الخليج العربية إلى تجنب الاعتماد الحصري على الضمانات الأمنية الخارجية، وتطوير نطاق أوسع من الخيارات الدفاعية. كما أعادت التطورات الأخيرة هشاشة طرق الطاقة والبنية التحتية الإقليمية إلى صدارة النقاش الأمني.

وفي هذا السياق، تزداد أهمية تركيا وباكستان. فتركيا تمتلك قدرات عسكرية كبيرة وصناعة دفاعية متنامية، بينما تمتلك باكستان قدرات عسكرية واسعة وردعًا نوويًا. ويشير توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس 2026 إلى محاولة لإنشاء طبقات جديدة من التعاون الأمني إلى جانب العلاقات التقليدية مع الولايات المتحدة. ويركز الاتفاق على الدفاع المتبادل والتعاون في مجالات مثل الصناعات الدفاعية والقدرات المشتركة.

يمكن تلخيص أهمية هذا التطور في نقطة واحدة: لم يعد أمن الخليج مجرد علاقة ثنائية بين واشنطن والدول العربية.

فكلما زاد عدد الشركاء الأمنيين والاقتصاديين والسياسيين في المنطقة، اتسعت الخيارات المتاحة لدولها في إدارة الأزمات.

لكن تعدد طبقات هذه العلاقات لا يتعلق فقط بالاستجابة للتهديدات العسكرية. ففي النهاية، يجب على الدولة التي تسعى إلى قدر أكبر من القوة في النظام الخليجي الجديد أن تكون قادرة على تحويل الأمن إلى استقرار اقتصادي، والاستقرار الاقتصادي إلى قوة استثمارية.

ماذا يعني النظام الأمني الجديد في الخليج للاقتصاد والاستثمار؟

عندما لا تعود دولة ما راغبة في الاعتماد على قوة أجنبية واحدة، فإنها لا تغيّر سياستها الدفاعية فقط، بل تنوّع أيضًا استراتيجيتها الاقتصادية والاستثمارية.

خلال السنوات الأخيرة، وجهت دول الخليج مليارات الدولارات إلى قطاعات مثل التكنولوجيا والبنية التحتية والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والسياحة والخدمات اللوجستية. كما أصبحت صناديق الثروة السيادية أدوات رئيسية للاستثمار داخل المنطقة وخارجها. والهدف واضح: تقليل الاعتماد على النفط وتحويل الثروة النفطية إلى أصول قادرة على بناء قوة اقتصادية مستقبلية.

لكن الأزمة الأخيرة أضافت طبقة أخرى إلى هذه الاستراتيجية.

دفعت هشاشة طرق الطاقة والتجارة أمام الاضطرابات حول مضيق هرمز السعودية والإمارات إلى زيادة الاستثمار في المسارات البديلة والموانئ وخطوط الأنابيب. وبعبارة أخرى، لم يعد الأمن الاقتصادي يتحدد فقط بحجم احتياطيات الدولة من النفط والغاز، بل يعتمد أيضًا على قدرتها على إيصال هذه الموارد إلى الأسواق العالمية.

هذا التحول في النظرة يخلق فرصًا استثمارية جديدة. فالموانئ والخدمات اللوجستية والبنية التحتية للطاقة ومراكز البيانات والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة لم تعد مجرد مشروعات اقتصادية، بل أصبحت جزءًا من استراتيجيات أوسع لدول الخليج تهدف إلى تعزيز المرونة والقوة الوطنية.

وبالتالي، لا ينبغي للمستثمرين الذين ينظرون إلى مستقبل الخليج أن يركزوا فقط على أسعار النفط أو أسواق الأسهم. فهناك سؤال أهم: أي الدول تبني البنية التحتية اللازمة لتحمل الصدمات الجيوسياسية؟

وربما يكون هذا هو أوضح فرق بين خليج اليوم وخليج الماضي. فالمنطقة لم تعد تسعى فقط إلى مزيد من الأمن، بل تعمل بصورة متزايدة على تحويل الأمن ورأس المال والبنية التحتية إلى أدوات للقوة العالمية.

ماذا يعني تغير النظام الأمني في الخليج للاستثمار؟

تغير النظام الأمني في الخليج ليس مجرد تحول سياسي؛ فهو يعيد أيضًا تشكيل المشهد الاستثماري في المنطقة.

ولخفض مواطن الضعف، زادت دول الخليج استثماراتها في مجالات مثل البنية التحتية والموانئ والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والصناعات الدفاعية. والهدف ليس مجرد تنويع الاقتصادات، بل إن هذه المشروعات جزء من مسعى أوسع لبناء اقتصادات أكثر مرونة واستقلالًا من الناحية الاستراتيجية.

بالنسبة إلى المستثمرين، يعني ذلك أن فرص الخليج المستقبلية لن تقتصر على النفط والغاز. ومع تحرك المنطقة نحو اقتصادات أكثر تنوعًا، وبنية تحتية استراتيجية، وتكنولوجيا متقدمة، يُرجح أن تزداد أهمية صناعات جديدة.

وفي النهاية، لا يتمثل السؤال الأساسي في ما إذا كانت الولايات المتحدة ستغادر الخليج، بل في مدى قدرة دول المنطقة على حماية مصالحها وتعزيز قوتها من دون الاعتماد على قوة خارجية واحدة.

الخلاصة: الخليج لا يختار قوة بعينها؛ بل يبني قوته

النظام الأمني في الخليج لا ينهار؛ بل يغير شكله.

لا تزال الولايات المتحدة واحدة من أهم ركائز الأمن الإقليمي، لكن دول الخليج لم تعد تريد ربط مستقبلها بقوة واحدة. فتوسيع العلاقات مع الصين، وتعزيز التعاون مع القوى الإقليمية، وتطوير الصناعات الدفاعية المحلية، والاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية، كلها أجزاء من هدف أوسع: تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية.

هذه الدول لا تحاول الاختيار بين الولايات المتحدة والصين. بل تريد أن تكون قادرة على العمل مع الطرفين مع الحفاظ على قدرتها الخاصة على اتخاذ القرار.

وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يصبح الخليج في السنوات المقبلة، بدلًا من أن يكون منطقة تهيمن عليها قوة واحدة، واحدًا من أهم ميادين التنافس وموازنة القوى في عالم متعدد الأقطاب.

وربما يكون هذا هو التحول الأهم على الإطلاق: لم تعد دول الخليج تريد فقط شراء أمنها من الآخرين، بل تريد أن تصبح هي نفسها جزءًا من ميزان القوة العالمي.

Chat on WhatsApp
Follow on Instagram
Connect on LinkedIn