بقلم Dr. MHS

الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط بعد النفط: عُمان والإمارات

كيف تحول عُمان والإمارات ثروة عصر النفط والموقع الجغرافي والتكنولوجيا إلى نفوذ في مرحلة ما بعد النفط؟
علما الإمارات وعُمان يطلان على مراكز التجارة والمال في الخليج، في إشارة إلى سعي البلدين لبناء القوة والنفوذ في شرق أوسط ما بعد النفط.
الرؤى
تاريخ النشر
September 13, 2026

لعقود، لم يشكّل النفط اقتصاد الشرق الأوسط فحسب، بل أسهم أيضًا في تشكيل جزء من ميزان القوة فيه. لكن سؤالًا كبيرًا يبرز اليوم: إذا أصبح العالم في نهاية المطاف أقل احتياجًا إلى النفط، فماذا سيحدث لقوة دول الخليج؟

إن الانتقال إلى مصادر طاقة جديدة، ونمو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والاستثمارات الضخمة، وتحول مسارات التجارة العالمية، كلها تعيد تعريف معنى القوة في المنطقة. وتحاول دول مثل الإمارات وعُمان بناء موقعها في مرحلة ما بعد النفط قبل أن ينتهي عصر النفط نفسه.

لكن هذه المنافسة لا تتعلق ببساطة باستبدال النفط بالطاقة الشمسية أو الهيدروجين. فالسؤال الأكبر هو: أي دولة تستطيع أن تحول ثروة النفط التي تملكها اليوم إلى تكنولوجيا وبنية تحتية وتجارة ونفوذ جيوسياسي في الغد؟

تسلك الإمارات مسارًا يقوم على رأس المال والتكنولوجيا والتجارة العالمية. أما عُمان، فتراهن على موقعها الجغرافي وموانئها وخدماتها اللوجستية وقطاعات الطاقة الجديدة. وتطرح هذه الاستراتيجيات المختلفة سؤالًا مشتركًا:

في شرق أوسط ما بعد النفط، ما الذي سيحدد القوة؟

لماذا يتغير عصر «النفط بوصفه مصدرًا للقوة»؟

لن يختفي النفط بين ليلة وضحاها. لكن ما يحدث أكثر أهمية من ذلك: لم يعد النفط المورد الوحيد القادر على تحديد القوة الاقتصادية والجيوسياسية لدولة ما.

على مدى عقود، ارتبطت اقتصادات دول الخليج ارتباطًا وثيقًا بإيرادات الهيدروكربونات. وقد مكّنت هذه الإيرادات الحكومات من بناء البنية التحتية، وتمويل الإنفاق العام، والاستثمار في الخارج، وتوسيع نفوذها الإقليمي. لكن مع تحرك الاقتصاد العالمي نحو طاقة أقل كثافة كربونية، وتقنيات نظيفة، وكفاءة أكبر، أصبح الاعتماد على مصدر واحد للإيرادات مخاطرة طويلة الأجل. ويرى صندوق النقد الدولي (IMF) أن التنويع الاقتصادي يمثل إحدى الوسائل التي يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي من خلالها تقليل تعرضها لتقلبات سوق النفط.

لكن هذا التحول لا يتعلق بالطاقة وحدها.

في اقتصاد المستقبل، قد يصبح رأس المال والتكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية الرقمية والموانئ وسلاسل الإمداد والقدرة على جذب الاستثمار الأجنبي عوامل لا تقل أهمية عن الموارد الطبيعية. كما أظهرت الاضطرابات التي طالت طرق الطاقة في المنطقة أن السيطرة على البنية التحتية ومسارات النقل والتصدير البديلة يمكن أن تتحول بحد ذاتها إلى أصل جيوسياسي.

ولهذا، لا تبحث دول الخليج ببساطة عن «بديل للنفط». بل تعمل على بناء نموذج جديد للقوة الاقتصادية.

تركز الإمارات على التكنولوجيا والاستثمار والاقتصاد القائم على المعرفة والذكاء الاصطناعي ومصادر الطاقة الجديدة. وتهدف سياساتها في العلوم والتكنولوجيا والابتكار بصورة صريحة إلى إعداد الاقتصاد لعالم ما بعد النفط.

أما عُمان، فتسعى إلى اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة ضمن رؤية عُمان 2040، واضعة التكنولوجيا والمعرفة والابتكار في صلب هذا التحول. وتحتل قطاعات مثل الخدمات اللوجستية والاستثمار والصناعة والطاقة المتجددة موقعًا محوريًا فيه.

لذلك، لم يعد السؤال الأساسي: «متى سينفد النفط؟»

السؤال الحقيقي هو: قبل أن يفقد النفط الأهمية التي تمتع بها في الماضي، أي دولة تستطيع تحويل موارد اليوم وإيراداته إلى قوة اقتصادية للغد؟

وتأخذنا الإجابة إلى قلب المنافسة الجديدة في الخليج، حيث لم تعد الطاقة مجرد سلعة، بل أصبحت جزءًا من منافسة أوسع بكثير على رأس المال والتكنولوجيا والنفوذ الإقليمي.

كيف ستتغير الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط بعد النفط؟

إذا لم يعد النفط المصدر الوحيد للقوة في المنطقة، فما الذي سيحل محله؟

الإجابة ليست ببساطة «الطاقة المتجددة». ففي الشرق الأوسط المستقبلي، قد يصبح رأس المال والتكنولوجيا والموانئ وسلاسل الإمداد والبنية التحتية الرقمية ومصادر الطاقة الجديدة عوامل ذات أهمية جيوسياسية مماثلة.

على مدى عقود، ارتبطت قوة دول الخليج إلى حد كبير باحتياطياتها النفطية وصادراتها. لكن في الاقتصاد الجديد، تستطيع دولة قادرة على إنتاج طاقة بتكلفة تنافسية، وجذب رأس المال، وتطوير التكنولوجيا، والبقاء متصلة بأهم مسارات التجارة العالمية أن تحافظ على نفوذها حتى مع انخفاض اعتمادها على النفط.

ولهذا تكتسب الموانئ والموقع الجغرافي أهمية جديدة. فكل من عُمان، المطلة على بحر العرب والمحيط الهندي، والإمارات، بشبكاتها الواسعة في التجارة العالمية والبنية التحتية الدولية، توظف مزاياها لبناء موقع أقوى في اقتصاد ما بعد النفط.

وبالتالي، لن تتمحور المنافسة المستقبلية في الخليج حول الطاقة وحدها، بل حول القدرة على تحويل الطاقة ورأس المال والجغرافيا إلى قوة اقتصادية وجيوسياسية.

وتُعد الإمارات أحد أوضح الأمثلة على هذا التحول؛ دولة تسعى إلى تحويل إيراداتها النفطية إلى رأس مال لبناء اقتصاد المستقبل.

الإمارات: تحويل إيرادات النفط إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية

أدركت الإمارات مبكرًا أن قوتها الاقتصادية المستقبلية لا يمكن أن تأتي من آبار النفط وحدها. ولهذا تجاوزت استراتيجيتها مجرد «استبدال النفط» إلى تحويل الثروة النفطية إلى أشكال جديدة من الأصول الاقتصادية.

تشكل التجارة العالمية والخدمات المالية والسياحة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والاستثمار الأجنبي اليوم جزءًا مهمًا من النموذج الاقتصادي الإماراتي. كما تمضي الحكومة في تنفيذ رؤية «نحن الإمارات 2031»، التي تستهدف مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي من 1.49 تريليون درهم إلى 3 تريليونات درهم، مع التركيز على التنمية الاقتصادية والاستثمار والنمو.

لكن ربما تكون التكنولوجيا هي الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في هذه الاستراتيجية.

ومن خلال الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، تسعى الإمارات إلى أن تصبح واحدة من الدول الرائدة عالميًا في الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على البنية التحتية للبيانات، والمواهب المتخصصة، والبحث، واستخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات مثل الطاقة والخدمات اللوجستية والسياحة.

وهذا يعني أن الإمارات لا تريد أن تكون مجرد مستهلك للتكنولوجيا؛ بل تريد أن تسيطر على جزء ذي قيمة من سلسلة القيمة في الاقتصاد الرقمي.

إذا نجحت هذه الاستراتيجية، فلن يكون النفط مجرد مصدر إيرادات للإمارات، بل سيكون قد أدى دور رأس المال الذي ساعد على بناء اقتصاد جديد.

وهنا يبرز سؤال أكبر: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا أن يؤديا في قوة الإمارات المستقبلية الدور نفسه الذي أداه النفط في الماضي؟

الذكاء الاصطناعي: نفط الإمارات الجديد؟

إذا كان النفط قد ساعد على بناء البنية التحتية الاقتصادية للإمارات في القرن الماضي، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من البنية التحتية لقوتها المستقبلية.

بدأت الإمارات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي منذ سنوات، ومن خلال الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031 وضعت هدفًا بأن تصبح من الدول الرائدة عالميًا في هذا المجال. ولا تقتصر الاستراتيجية على تبني الذكاء الاصطناعي، بل تركز أيضًا على تطوير المواهب، وبناء البنية التحتية للبيانات، ودعم البحث، وتأسيس منظومة أوسع للذكاء الاصطناعي.

وتتضح أهمية ذلك أكثر عندما ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر من مجرد تقنية.

فالرقائق المتقدمة، ومراكز البيانات، والكهرباء منخفضة التكلفة، ورأس المال، والوصول إلى شركات التكنولوجيا، كلها أصبحت عناصر في سلسلة جديدة للقوة الاقتصادية. كما سعت الإمارات إلى توسيع تعاونها الدولي في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية التكنولوجية لزيادة قدرتها على الوصول إلى التقنيات المتقدمة.

ولذلك، لا يتمثل هدف الإمارات في إنشاء عدد محدود من شركات الذكاء الاصطناعي، بل في بناء منظومة تكنولوجية قادرة على جذب رأس المال والمواهب المتخصصة والشركات العالمية.

وإذا نجح هذا النموذج، فقد تتحول الإمارات من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات الطاقة إلى اقتصاد يستمد جزءًا من قوته الاقتصادية من الحوسبة والبيانات والتكنولوجيا.

لكن التكنولوجيا ليست سوى جانب واحد من هذا التحول. أما بالنسبة إلى عُمان، فقد تكمن الميزة الأساسية في مكان آخر: الجغرافيا.

عُمان: قوة مصدرها الجغرافيا

بينما تحاول الإمارات بناء موقعها في اقتصاد المستقبل عبر رأس المال والتكنولوجيا، تراهن عُمان على أصل مختلف: الجغرافيا.

يجعل موقع عُمان على بحر العرب والمحيط الهندي منها نقطة اتصال مهمة بين الخليج وأسواق آسيا وأفريقيا ومسارات التجارة العالمية الرئيسية. ولهذا لا تمثل الموانئ والخدمات اللوجستية مجرد قطاع إضافي في الاستراتيجية الاقتصادية العُمانية، بل تشكل جزءًا من مسعى أوسع لتحويل الموقع الجغرافي للدولة إلى قيمة اقتصادية.

وينعكس هذا النهج أيضًا في رؤية عُمان 2040، حيث يجري العمل على التنويع الاقتصادي وتطوير القطاع الخاص وزيادة الصادرات والاستفادة الاستراتيجية من الموقع الجغرافي لعُمان بالتوازي مع التكنولوجيا والابتكار.

لكن عُمان لا تعتمد على الخدمات اللوجستية وحدها. فالاستثمار في الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر والصناعة والتعدين والتكنولوجيا يظهر أن الدولة تريد الانتقال من مجرد مُصدّر للموارد إلى مركز اقتصادي وطاقي جديد. كما تشير تقارير رسمية مرتبطة برؤية عُمان 2040 إلى نمو مشروعات الهيدروجين الأخضر والاستثمار في قطاعات مثل الخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والتكنولوجيا.

وبالتالي، قد تكون أكبر ميزة لعُمان شيئًا لا يمكن استخراجه من الأرض: موقع جغرافي يمكن، عند دمجه بالبنية التحتية والطاقة الجديدة، أن يتحول إلى قوة اقتصادية.

الهيدروجين الأخضر: ميزة عُمان في اقتصاد ما بعد النفط

بالنسبة إلى عُمان، لا يمثل الهيدروجين الأخضر مجرد مشروع بيئي؛ بل هو محاولة لبناء صناعة تصديرية جديدة.

وبفضل وفرة الإشعاع الشمسي وموارد الرياح والوصول إلى موانئ عميقة المياه، تتمتع عُمان بظروف ملائمة لإنتاج الهيدروجين ومشتقاته. كما تعمل الحكومة على تطوير القطاع ضمن إطار رؤية عُمان 2040 باعتباره أحد ركائز التنويع الاقتصادي.

ولم تعد هذه الاستراتيجية مجرد خطة على الورق. فقد نقلت Hydrom، الجهة المركزية لقطاع الهيدروجين الأخضر في عُمان، البرنامج إلى مرحلة تخصيص الأراضي وتطوير المشروعات. ومع ذلك، سيظل التنفيذ الفعلي معتمدًا على التمويل والمشترين والبنية التحتية وجودة التنفيذ.

لكن الأهمية الحقيقية لهذه المشروعات تكمن في الوجهة التي يمكن أن تصل إليها هذه الطاقة.

إذا تمكنت عُمان من تصدير الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء عبر موانئها إلى أسواق أوروبا وآسيا، فإن الموقع الجغرافي نفسه الذي كان مهمًا لتجارة النفط قد يتحول أيضًا إلى ميزة في اقتصاد الطاقة المستقبلي.

وفي هذا السيناريو، لن تكون عُمان مجرد مُصدّر لمورد طاقة، بل قد تصبح جزءًا من سلسلة القيمة العالمية للطاقة النظيفة.

وهنا تحديدًا يمكن أن تتحول الطاقة الجديدة إلى قوة جيوسياسية.

الاستثمار: نفط الخليج الجديد؟

إذا كان النفط مصدر ثروة الخليج، فقد يصبح رأس المال أداة بناء اقتصاد ما بعد النفط.

على مدى العقود الماضية، استثمرت دول مجلس التعاون الخليجي حصة كبيرة من إيرادات الطاقة عبر صناديق الثروة السيادية في الأسواق المحلية والعالمية. واليوم، لم تعد هذه الصناديق تركز فقط على حفظ الثروة للأجيال القادمة، بل تتجه أيضًا إلى التكنولوجيا والخدمات والطاقة النظيفة والبنية التحتية والصناعات الناشئة.

وتقدم عُمان مثالًا لافتًا على هذا التحول. إذ يستهدف صندوق عُمان المستقبل الاستثمار في قطاعات مثل التصنيع والتعدين والطاقة النظيفة والسياحة وتقنية المعلومات والخدمات اللوجستية. ويتمثل هدفه في دعم القطاع الخاص والاقتصاد غير النفطي من خلال جذب الاستثمار الأجنبي وتسهيل نقل التكنولوجيا.

لكن رأس المال وحده لا يكفي.

فإذا استُخدم رأس المال فقط في بناء مشروعات ضخمة، فقد يظل الاقتصاد معتمدًا على الموارد الحكومية. والهدف الحقيقي ينبغي أن يكون بناء شركات وصناعات وتقنيات قادرة على توليد الإيرادات والصادرات حتى من دون النفط.

ولهذا لا تتمحور المنافسة المستقبلية في الخليج حول حجم رأس المال المتاح فحسب، بل حول الدولة التي تستطيع تحويل رأس المال بكفاءة أكبر إلى قوة اقتصادية مستدامة.

عُمان والإمارات: مساران مختلفان نحو اقتصاد ما بعد النفط

تدرك كل من عُمان والإمارات أن اقتصاد الخليج لا يستطيع أن يبقى معتمدًا على النفط إلى الأبد. لكن كل دولة اختارت مسارًا مختلفًا نحو ذلك المستقبل.

ركزت الإمارات بدرجة أكبر على رأس المال والتجارة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، وتسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز للاستثمار والأعمال والتقنيات المتقدمة.

أما عُمان، فتعتمد بدرجة أكبر على الجغرافيا والخدمات اللوجستية والصناعة والطاقة الجديدة. ويقع تطوير الموانئ والمناطق الاقتصادية والهيدروجين الأخضر والتصنيع والتجارة في صميم استراتيجية التنويع لديها. كما يرى صندوق النقد الدولي أن الخدمات اللوجستية وتحسين الربط التجاري من المحركات المهمة لزيادة الصادرات غير الهيدروكربونية في عُمان.

وبعبارة أخرى، إذا كانت الإمارات تريد أن تصبح مركزًا لرأس المال والتكنولوجيا، فإن عُمان تسعى إلى أن تصبح مركزًا للتجارة والخدمات اللوجستية وطاقة المستقبل.

لكن أياً من الدولتين لم تصل بعد إلى نهاية المسار. فنمو القطاعات غير النفطية لا يعني تلقائيًا أن الاقتصاد تجاوز النفط. وتوضح عُمان كيف يمكن لاقتصاد أن يصبح أكثر تنوعًا بينما تظل الإيرادات الحكومية معتمدة بدرجة كبيرة على الهيدروكربونات.

لذلك، لم يعد السؤال الأساسي هو أي دولة بنت مشروعات أكثر، بل أي نموذج يستطيع في النهاية إنشاء اقتصاد مستقل بحق، وتنافسي، وموجّه نحو التصدير.

وهنا يظهر أكبر تحدٍ في مرحلة ما بعد النفط: بناء اقتصاد غير نفطي أسهل من جعل هذا الاقتصاد مستقلًا عن النفط.

ما أكبر تحدٍ أمام اقتصاد ما بعد النفط؟

بناء اقتصاد غير نفطي على الورق ليس أمرًا بالغ الصعوبة. التحدي الحقيقي هو إنشاء اقتصاد يستطيع المنافسة من دون النفط.

حققت دول الخليج تقدمًا مهمًا في تطوير القطاعات غير النفطية. لكن تحليلات صندوق النقد الدولي تؤكد أن التنويع الحقيقي يتطلب أكثر من مجرد نمو قطاعات مثل السياحة أو البناء أو الخدمات. فالاقتصادات تحتاج أيضًا إلى زيادة الصادرات غير النفطية والإنتاجية والأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة.

ويكتسب هذا التحدي أهمية خاصة بالنسبة إلى عُمان. إذ تشير تحليلات صندوق النقد الدولي إلى أن حصة مهمة من النشاط غير الهيدروكربوني في عُمان ما تزال متركزة في قطاعات ذات قيمة مضافة أقل. وسيتطلب تحقيق نمو مستدام صادرات أكثر تطورًا، وإنتاجية أعلى، وإصلاحات هيكلية.

أما الإمارات، فعلى الرغم من الأداء القوي لاقتصادها غير النفطي، فإنها تواجه أيضًا تحدي الحفاظ على ميزتها التنافسية في مواجهة مراكز اقتصادية أخرى في المنطقة.

لذلك، لا ينبغي قياس النجاح في عصر ما بعد النفط بعدد المشروعات أو حجم الاستثمار. المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الاستثمارات قادرة على إنشاء شركات تنافسية، وصادرات مستدامة، ومصادر إيرادات مستقلة عن النفط.

وهذا يقودنا إلى السؤال الأخير: هل يستطيع الخليج فعلًا الحفاظ على قوته الاقتصادية والجيوسياسية من دون الاعتماد على النفط؟

مستقبل الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط بعد النفط

قد يكون من الخطأ افتراض أن أهمية الخليج ستتراجع بالضرورة مع انخفاض اعتماد العالم على النفط. ما يتغير هو مصدر القوة، وليس بالضرورة القوة نفسها.

ما تزال دول الخليج تستفيد من إيرادات النفط والبنية التحتية التي نشأت حوله، لكنها في الوقت نفسه تحول هذه المزايا إلى أصول جديدة: فالإمارات تركز على التكنولوجيا ورأس المال والتجارة العالمية، بينما تركز عُمان على الخدمات اللوجستية والموانئ والهيدروجين الأخضر.

كما أظهرت الاضطرابات التي طالت طرق الطاقة الأهمية المتزايدة للبنية التحتية والممرات التجارية. ولتقليل مواطن الضعف المرتبطة بمضيق هرمز، أولت دول المنطقة اهتمامًا أكبر بالمسارات البديلة والموانئ والبنية التحتية الجديدة.

لكن النجاح في مرحلة ما بعد النفط لن يأتي بمجرد بناء مشروعات ضخمة. فالدولة الأكثر نجاحًا ستكون القادرة على تحويل رأس المال إلى شركات، والتكنولوجيا إلى منتجات، والطاقة النظيفة إلى صادرات، والجغرافيا إلى تجارة. كما تُظهر الأبحاث المتعلقة باقتصادات الخليج أن وجود قطاع خاص أقوى، وإنتاجية أعلى، وصادرات غير نفطية أكبر، عوامل أساسية لتحقيق تنويع اقتصادي ذي معنى.

وبالتالي، ربما لن يكون مستقبل الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط من نصيب الدولة التي تملك أكبر كمية من النفط، بل من نصيب الدولة التي تحسن استخدام ثروة عصر النفط لبناء اقتصاد عصر ما بعد النفط.

قد يظل النفط جزءًا من قوة الخليج لسنوات عديدة مقبلة. لكن المنافسة الحقيقية على ما يتجاوز النفط بدأت بالفعل:

من يستطيع الانتقال من «القوة تحت الأرض» إلى «القوة في اقتصاد المستقبل»؟

Chat on WhatsApp
Follow on Instagram
Connect on LinkedIn