مستقبل مضيق هرمز: مسارات النفط البديلة ودور عُمان والإمارات
لطالما كان مضيق هرمز واحداً من أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية. فعادةً ما تمر كميات كبيرة من النفط الخام والمنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال عبر هذا الممر المائي الضيق قبل وصولها إلى الأسواق في آسيا وخارجها. ولهذا يمكن لأي اضطراب في هرمز أن يؤثر سريعاً في أسعار النفط وتكاليف الشحن وأقساط التأمين والاقتصاد العالمي الأوسع.
ولم تعد المسألة نظرية. فبعد الصراع الإقليمي الذي بدأ في 28 فبراير 2026، انخفضت حركة الناقلات عبر المضيق بصورة حادة. وساعدت مذكرة تفاهم أُبرمت في 18 يونيو بين الولايات المتحدة وإيران مؤقتاً على تعافي التدفقات، لكن تجدد الأعمال العدائية عكس جزءاً من هذا التحسن. وفي 11 أغسطس 2026، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إن المضيق سيظل مغلقاً ما لم تتغير الشروط الأميركية، وذكرت رويترز في 12 أغسطس أن حركة السفن عبر هرمز تراجعت إلى جزء صغير فقط من مستويات ما قبل الحرب.
وقد أعادت هذه الأزمة طرح سؤال استراتيجي أمام مصدري الخليج ومستهلكي الطاقة عالمياً: ما كمية النفط والغاز التي يمكن نقلها عبر مسارات بديلة إذا أصبح هرمز غير موثوق؟
أمضت دولة الإمارات العربية المتحدة سنوات في توسيع طاقتها التصديرية عبر الفجيرة خارج المضيق. أما عُمان فتتبع نموذجاً مختلفاً. فهي لا توفر خط أنابيب نفطي كبيراً عابراً للحدود لتجاوز هرمز لصالح المنتجين الخليجيين المجاورين، لكن موانئها ومنشآت الغاز الطبيعي المسال وطاقة التخزين والمشروعات الصناعية تقع على خليج عُمان وبحر العرب، ما يمنح البلاد وصولاً مباشراً إلى المحيط الهندي.
هل تستطيع هذه الاستثمارات تقليل الاعتماد على هرمز؟ وما المسارات البديلة التي تملك طاقة ذات معنى؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه عُمان والإمارات في البنية المستقبلية لتجارة الطاقة الخليجية؟
لماذا أصبح مستقبل مضيق هرمز أكثر أهمية من أي وقت مضى؟
يوضح حجم الطاقة التي تمر عادةً عبر هرمز سبب صعوبة استبدال المضيق. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، بلغ متوسط إجمالي تدفقات النفط عبر مضيق هرمز 20.9 مليون برميل يومياً في النصف الأول من عام 2025. وكان ذلك يعادل نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية.
وقدّر التحليل نفسه لإدارة معلومات الطاقة أن 11.4 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الطبيعي المسال مرت عبر هرمز في النصف الأول من عام 2025، بما يمثل أكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، وكان مصدر معظم هذه الكميات قطر.
وتوضح هذه الأرقام لماذا لا تستطيع أي شبكة خطوط أنابيب أو موانئ قائمة حالياً أن تستبدل هرمز بالكامل على المدى القصير. فالبنية التحتية البديلة يمكن أن تقلل شدة الاضطراب، لكنها لا تستطيع استيعاب الحجم الكامل الذي يمر عادةً عبر المضيق.
وقد جعلت أزمة 2026 هذا القيد واضحاً. فإعادة الفتح المؤقتة في يونيو ساعدت صادرات الخليج على التعافي، لكن تجدد الاضطراب في يوليو وأغسطس أظهر أن أمن المسارات يمكن أن يتغير بسرعة. ونتيجة لذلك، يعتمد أمن الطاقة بصورة متزايدة ليس فقط على القدرة الإنتاجية، بل أيضاً على القدرة على نقل الطاقة وتخزينها ومعالجتها وتصديرها عبر أكثر من ممر واحد.
هل يستطيع العالم تقليل اعتماده على مضيق هرمز؟
يمتلك المنتجون في المنطقة عدة بدائل، لكن طاقة التجاوز المتاحة أصغر بكثير من التدفقات الطبيعية عبر هرمز. وأهم هذه المسارات خط الشرق–الغرب السعودي وخط أنابيب أبوظبي للنفط الخام إلى الفجيرة في الإمارات.
يربط خط الشرق–الغرب التابع لأرامكو السعودية البنية التحتية النفطية قرب الخليج بمدينة ينبع على البحر الأحمر. وتبلغ طاقته الاسمية نحو 5 ملايين برميل يومياً، وقد جرى توسيعها مؤقتاً إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً عبر بنية تحتية جرى تحويل استخدامها. ومع ذلك، لا تكون كل هذه الطاقة متاحة كطاقة تصديرية إضافية أثناء الأزمات.
ويمكن لخط الإمارات إلى الفجيرة نقل ما يصل إلى نحو 1.8 مليون برميل يومياً من الحقول البرية إلى محطة تصدير على خليج عُمان. وفي تقييمها لنقاط الاختناق في مارس 2026، قدّرت إدارة معلومات الطاقة أن النظامين السعودي والإماراتي يمكن أن يوفرا معاً نحو 4.7 مليون برميل يومياً من طاقة التجاوز أثناء الاضطراب.
وهذا مهم استراتيجياً، لكنه يظل أقل بكثير من نحو 20 مليون برميل يومياً تمر عادةً عبر هرمز. ولذلك تعمل المسارات البديلة كبنية تحتية للمرونة، لا كبدائل كاملة.
كيف خفّضت الإمارات اعتمادها على هرمز عبر الفجيرة؟
تمتلك الإمارات واحدة من أكثر استراتيجيات التجاوز تطوراً في الخليج. إذ ينقل خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام النفط من الحقول البرية إلى الفجيرة، ما يسمح لجزء من صادرات الدولة بالوصول إلى الأسواق الدولية من دون المرور عبر مضيق هرمز.
وتبلغ الطاقة القصوى للخط الحالي نحو 1.8 مليون برميل يومياً. وهذا يمنح الإمارات مرونة أكبر من مصدري الخليج الذين يعتمدون بصورة شبه كاملة على هرمز، لكنه لا يجعل الدولة بمنأى عن الاضطرابات الإقليمية.
ويمتد دور الفجيرة إلى ما هو أبعد من خط الأنابيب. إذ يصف ميناء الفجيرة نفسه بأنه مركز إقليمي رئيسي للبضائع السائلة السائبة وتجارة النفط والتخزين وتموين السفن. كما تفيد منطقة الفجيرة للصناعات النفطية المجاورة بأن طاقتها التخزينية تبلغ نحو 70 مليون برميل عبر منتجات نفطية مختلفة.
وتعمل الإمارات أيضاً على توسيع منظومة التجاوز. ففي مايو 2026، قالت أدنوك إن خطاً جديداً من الغرب إلى الشرق قيد الإنشاء ومن المتوقع أن يدخل الخدمة في عام 2027. وقالت أدنوك إن المشروع سيضاعف طاقتها التصديرية عبر الفجيرة.
وتكمن أهمية ذلك في أن القيمة الاستراتيجية للفجيرة لا تقتصر على خط أنابيب واحد. فالجمع بين البنية التحتية للتصدير والتخزين والخدمات البحرية والوصول إلى بحر العرب يجعل الإمارة واحدة من أهم بوابات الطاقة الخليجية خارج هرمز.
ميزة عُمان: الجغرافيا والغاز الطبيعي المسال والتخزين والدقم
يختلف دور عُمان عن دور الإمارات. فلا تمتلك عُمان حالياً خط أنابيب كبيراً عابراً للحدود مصمماً لإعادة توجيه كميات ضخمة من الخام من المنتجين الخليجيين المجاورين إلى الموانئ العُمانية. ولذلك لا يمكن التعامل معها كبديل مباشر لمنظومات التجاوز السعودية أو الإماراتية.
وتكمن ميزتها في الموقع والبنية التحتية المحلية. فعدد من الموانئ العُمانية المهمة وأصول الطاقة يقع على خليج عُمان وبحر العرب خارج مضيق هرمز. وهذا يمنح عُمان وصولاً مباشراً إلى المحيط الهندي، ويسمح لصادراتها من الطاقة بتجنب نقطة الاختناق.
ومن الأمثلة على ذلك الشركة العُمانية للغاز الطبيعي المسال في قلهات قرب صور. إذ تشغّل عُمان للغاز الطبيعي المسال ثلاثة قطارات إسالة بطاقة اسمية تبلغ 10.4 مليون طن سنوياً. وبما أن المنشأة تقع خارج هرمز، فإن صادرات الغاز الطبيعي المسال العُمانية لا تعتمد على المرور عبر المضيق.
وتُعد الدقم جزءاً مهماً آخر من هذه الاستراتيجية. إذ تبلغ الطاقة الاسمية لمعالجة مصفاة الدقم التابعة لـOQ8 نحو 230,000 برميل يومياً، وتصدر منتجات مكررة إلى الأسواق الدولية. كما تشمل منظومة الدقم الأوسع ميناء الدقم ومنشآت للبضائع السائلة السائبة وإصلاح السفن والأراضي الصناعية ومحطة رأس مركز لتخزين النفط الخام.
وبحسب OQ، تبلغ الطاقة التخزينية الإجمالية لمحطة رأس مركز 26.7 مليون برميل، بما في ذلك طاقة مخصصة لمصفاة الدقم.
ولا تحول هذه الأصول عُمان إلى مسار بديل لجميع صادرات الخام الخليجية. لكنها تعزز موقع البلاد كمركز لتخزين الطاقة والتكرير والخدمات اللوجستية والبحرية مع وصول مباشر إلى المياه المفتوحة.
كيف يمكن أن تؤثر هذه التغييرات في الاستثمار وتجارة النفط عالمياً؟
أظهرت اضطرابات عام 2026 أن قيمة البنية التحتية للطاقة تعتمد على أكثر من القدرة الإنتاجية. إذ تزداد قيمة خطوط الأنابيب ومحطات التصدير ومنشآت التخزين والمصافي والموانئ عندما تساعد على استمرار تدفقات الطاقة أثناء أزمة في نقاط الاختناق.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة للمشترين الآسيويين. فبيانات إدارة معلومات الطاقة تظهر أن 89% من النفط الخام والمكثفات التي مرت عبر هرمز اتجهت إلى الأسواق الآسيوية في النصف الأول من عام 2025. واستحوذت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة على 74% من إجمالي تدفقات الخام والمكثفات عبر هرمز خلال تلك الفترة.
وبالنسبة إلى هذه الدول المستوردة، يمكن أن يشمل التنويع موردين بدلاء، ومخزونات استراتيجية أكبر، وترتيبات شحن أكثر مرونة، واستثمارات في بنية تحتية تقلل الاعتماد على مسار واحد.
وتندرج الفجيرة والدقم ضمن هذا الاتجاه الأوسع بطرق مختلفة. فالفجيرة توفر مساراً مباشراً لتجاوز هرمز بالنسبة إلى النفط الخام، إلى جانب منظومة متقدمة لتخزين النفط وتجارته. أما الدقم والمنشآت العُمانية الأخرى فتقدم التكرير والتخزين والخدمات البحرية والوصول المباشر إلى المحيط الهندي من دون الحاجة إلى المرور عبر هرمز.
ولا تلغي البنية التحتية البديلة المخاطر الإقليمية. فالموانئ وخطوط الأنابيب خارج المضيق قد تظل عرضة لتهديدات أمنية وارتفاع تكاليف التأمين وقيود تشغيلية واضطرابات أوسع في الشحن. ولذلك يمكن فهم قيمتها على نحو أفضل باعتبارها أداة للتنويع: فهي تقلل الاعتماد على نقطة واحدة معرضة للخطر بدلاً من إزالة المخاطر بالكامل.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل مضيق هرمز
أظهرت أزمة 2026 بالفعل أن الاضطراب الحاد ممكن. ولم يعد السؤال المستقبلي يدور بالدرجة نفسها حول ما إذا كان هرمز قابلاً للاضطراب، بل حول مدة القيود، وسرعة عودة الحركة إلى طبيعتها، وحجم الاستثمار الدائم في البنية التحتية البديلة الذي قد يتبع ذلك.
السيناريو الأول: إعادة فتح تفاوضية واستقرار نسبي
في هذا السيناريو، تؤدي الدبلوماسية إلى إعادة فتح مستقرة للمضيق، وتعود حركة الناقلات تدريجياً إلى مستويات أقرب إلى ما قبل الصراع. كما يُتوقع أن تنخفض تكاليف التأمين ومتطلبات الأمن مع مرور الوقت.
وحتى في هذه الحالة، لن يكون لدى السعودية والإمارات وعُمان والدول الكبرى المستوردة للطاقة حافز كبير للتخلي عن مشروعات التنويع. فقد أظهرت اضطرابات عام 2026 التكلفة المالية والتشغيلية للاعتماد المفرط على نقطة اختناق بحرية واحدة.
السيناريو الثاني: إعادة فتح متقطعة واضطرابات دورية
السيناريو الثاني هو دورة من إعادة الفتح الجزئي وتجدد التوتر والقيود المؤقتة وتغير شروط التأمين أو الأمن. وسيخلق ذلك بيئة تشغيل أقل قابلية للتوقع لشركات الطاقة ومشغلي الشحن.
وفي سوق من هذا النوع، قد تستمر القيمة الاستراتيجية للفجيرة وخط الشرق–الغرب ومنشآت التخزين والبنية التحتية اللوجستية العُمانية في الارتفاع، لأن الشركات ستمنح مرونة المسارات وهوامش المخزون قيمة أكبر.
السيناريو الثالث: إغلاق مطول أو اضطراب شديد
السيناريو الأكثر اضطراباً هو إغلاق طويل أو شبه إغلاق. وقد أظهر صراع 2026 أن هذا لم يعد مجرد اختبار ضغط نظري. فحتى مع طاقة التجاوز السعودية والإماراتية، لا تستطيع المسارات البديلة استبدال الحجم المعتاد الذي يمر عبر هرمز.
ولذلك قد يؤدي اضطراب مطول إلى استمرار الضغوط على أسواق النفط والمنتجات، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وفرض مزيد من إغلاقات الإنتاج في دول الخليج، وتشجيع الدول المستهلكة على السحب من المخزونات أو البحث عن مصادر إمداد أبعد.
وسيظل الأثر الاقتصادي معتمداً على مدة الاضطراب، وحجم الطاقة الفائضة المتاحة فعلياً في خطوط الأنابيب، والإفراج عن المخزونات الاستراتيجية، وأوضاع الطلب، والسرعة التي يستطيع بها المنتجون خارج الخليج الاستجابة.
الخلاصة
مستقبل مضيق هرمز ليس مجرد سؤال عما إذا كان الممر مفتوحاً أو مغلقاً في يوم معين. فالقضية الأعمق هي كيف تغير أزمة 2026 طريقة تفكير منتجي الخليج ومشتري الطاقة عالمياً في المرونة.
ويظل هرمز أهم من أن يُستبدل. ففي النصف الأول من عام 2025، مر عبره نحو 20.9 مليون برميل من النفط يومياً وأكثر من 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. ولا تستطيع خطوط الأنابيب البديلة القائمة إعادة توجيه سوى جزء من هذا الحجم.
وقد بنت الإمارات أوضح استراتيجية مباشرة لتجاوز المضيق عبر الفجيرة، وهي تعمل الآن على توسيعها أكثر. أما دور عُمان فمختلف لكنه يظل مهماً استراتيجياً: إذ توفر منشآت الغاز الطبيعي المسال ومصفاة الدقم والبنية التحتية للتخزين والموانئ والخدمات البحرية طاقة وقدرات لوجستية خارج المضيق.
والنتيجة ليست مستقبلاً يصبح فيه هرمز غير مهم. بل مستقبلاً يعتمد فيه أمن الطاقة بصورة متزايدة على شبكة من خطوط الأنابيب البديلة ومراكز التخزين والموانئ والمصافي وخيارات الشحن التي تستطيع إبقاء جزء على الأقل من التجارة الإقليمية متحركاً عندما تتعرض نقطة الاختناق الرئيسية للاضطراب.
وبالنسبة إلى أسواق الطاقة العالمية، فالدرس واضح: قيمة برميل النفط لا تعتمد فقط على الإنتاج والسعر، بل أيضاً على ما إذا كان ذلك البرميل يستطيع الوصول إلى السوق بصورة موثوقة.


